أربعة أغاني

(الأغنية الأولى)

تساقطت السماوات، و وقعت في يديك قطعة من الجنان، و كان كل الذي أردته أن أبقى بقربك كل العمر، ولكني على بعد خطوات منك أقف يحول بيني و بينك جدار من نار

(الأغنية الثانية)

أحدهم كتب لي رسالة مليئة بالشتائم، و لم يوقع أسفلها، أعتقد أني أعرف من كتبها، إني أعرف هاتين اليدين الصغيرتين، و كم شامة عليهما، و كم مرة مسحتا الحزن عن وجهي ، و لكن ها نحن الآن بيننا رسالة شرسة، أحدنا بيده قلم، و الآخر يرفع يديه مستسلماً

(الأغنية الثالثة)

 أرى الضوء في نهاية النفق و لكني كلما اقتربت منه أَعتم، قل لي هل هذا هو الجحيم ؟ يا إلهي هذا مقلق،  لابد أن جنات عدن أحلى، ولكن على أية حال ما دمت في الجحيم دعني أهبط إلى الدرك الأسفل، مع القديسين و الشهداء و شهود الزور و كل المنافقين

(الأغنية الرابعة)

  يا حبيبتي قولي لي: كم يوما ستعلنين الحداد علي؟

عشر ثوان

كان ذلك في نهائي كأس مدارس الثانوية  لكرة القدم بالمنطقة, و كانت العشر دقائق الأخيرة, حين دفع بي المدرب/مدرس الرياضة الأستاذ سميّر كبديل لسلطان الشمري.

قبل ذلك, أنا الخيار الأخير دائما, إن ذلك بسبب كون الآخرين أجدر مني مهاريا و أكثر قدرة على فك عقدة في الملعب, و لم يكن ليضمني الأستاذ سميّر لولا أني كنت لا أيأس, كلما أخرجني من القائمة, ركضت أكثر و رفعت مستوى لياقتي لأصبح وحشا في الملعب.  لسنة كاملة كنت آكل كثور و أركض, أحرث أرض حارتنا بقدمي حتى نبت لي فخذان فولاذيان و ركبة مطاطية. لم أهتم بزيادة مهارة الرقص بالكرة, أو دقة التمرير, مرنت جسدي لأتحكم بسرعتي و لياقتي, كنت أعرف ماذا ينقص مجموعتنا, ينقصهم أنا, أي اللاعب الذي يغطيهم .

في آخر عشر دقائق, أصيب سلطان, كانت أصابته بليغة, حضر الامتحانات النهائية و ساقه مليئة بالمسامير, أصابه عايض الحربي الذي يكبرنا بأربع سنوات, يكبر أفراد فريقنا و فريقه, في تلك الأيام التي كان فارق ثمان سنوات لا يعتد به في المدارس, تحديدا في المدارس الثانوية . إذن أصيب سلطان, و تحصل عايض على إنذار و لم يُطرد, و كنتُ الورقة الثالثة و الأخيرة في الاحتياط, ناداني المدرب :

  • عزيز, منذ سنة و أنت تحاول أن تصبح جيداً كفاية لتدخل التشكيلة, كنت تتحمل كل تثبيطي لك, أنا لا أعلم لماذا أثبطك إن هناك شيء في داخلي يدفعني دفعا لذلك, تجاوز هذا كله, هذه فرصتك الوحيدة, افعل شيئا نتذكره ولا تنساه !

نزلت الملعب, الوحيد بلياقة عالية و كاملة, الكل منهك, فريقي متأثر بإصابة سلطان و الفريق الآخر لا يستطيع التحمل أكثر مما احتمل, الكل يبحث عن إضاعة الوقت للوصول للركلات الترجيحية.

عشر ثوان كانت كل ما أريد, حتى اللحظة أذكرها , أتتني كرة عالية من الدفاع ثبتها بقدمي ثم غيرت اتجاهي من الوسط إلى الجناح, انزلق تحتي عايض بنية أن يكسر ساقي كما فعل بسلطان, لكنني تجاوزتها, ركضت بالكرة, حين استلمتها من الدفاع كان المدرج صامتا كأنه في جنازة, حين تجاوزت عايض عاد هتاف الجمهور يرتفع (وووووووووووووووووووو) كل ارتفاعة في نبرتهم تسارع بنبضاتي, تجاوزته و شعرت بثقل فخذي, شبه منفرد ركضت, و أمامي على حافة منطقة الجزاء اثنين, و خلفي اثنين ..

ثلاث ثوان فقط نقلت خلالها حركة فخذي من حركة بشرية إلى ميكانيكية,هيدروليكية, أشعر بهما, تحكمت بهما كأنهما  لم تكونا عضلتين بل آلتين,  من الجناح قطعت إلى العمق متجاوزا المدافعين, لا أسمع سوى نبضات قلبي السريعة و ( آآآآآآآآآآآآآآآه ) من الجمهور, طرت إلى المرمى, سددت الكرة على وجه الحارس, ارتطمت بوجهه و إلى الشبك, هدف !

صرت نجماً !

استرح يا عسكري

كنت متجهاً نحو القطاع الرئيسي لسلاح الحدود – مقر عملي – لأقود القوة باتجاه أحد المراكز الحدودية البعيدة جداً عن هذه المدينة الصغيرة البائسة, كانت ليلة عاطرة بشذى زهور الليمون, ليلة لا أنساها أبداً و عطراً لا يغادر أنفي, لماذا ؟ لأنها الليلة الأولى التي أباشر فيها عملي كضابط صغير في سلاح الحدود, و الليلة الأولى التي أسكن في هذا المكان النائي عن مدينتي, في الحقيقة لا تهمكم هذه الليلة وليست لها أهمية لذاتها. لذلك اقفزوا هذه القطعة.

ما يفعله ضابط صغير مثلي في مركز لسلاح الحدود أعده شيئاً بسيطاً, السيطرة على الأفراد و مراقبتهم و حسو الشاي و القهوة , و السمر مع كبار الأفراد كونهم يعتبرون فارق السن يزيل مسافة الرتبة العسكرية بيني و بينهم. أكون معهم و لست معهم, لا أفهم كثيراً مما يقولون, ليس لصعوبة المفردات بل لأن ما يقولونه مفرط الواقعية – واقعهم الشخصي – و معجون بهموم المعيشة ليس أكثر ولا أقل . في بعض الليالي أحاول أن أجر الحديث إلى محيط سياسي, عندها يتحدثون عن كل الأحداث السياسية في العالم, أرى في حديثهم صبغة صبغتهم بها الصحف الحكومية, رغم اختلاف الكلمات إلا أن أسلوب التحليل متشابه, والنتائج في النهاية واحدة. تحليلاتهم السياسية ليست واقعية كأحاديثهم الريفية أو الصحراوية, مكذوب عليهم فيها لدرجة أفقدتهم شخصيتهم. لمثل هذا أُحبط و ألعن النجوم على كتفي ثم أسبح بعيداً .

أتذكرون تلك الليلة الأولى ؟ ما يزال شذى زهور الليمون الذي ترسله نسيمات “يولية” العذبة في أنفي, كلما أريد أن أشتمّه, أغلق عيني قليلاً و أتذكر اللحظة التي أغلقت فيها الباب متجها نحو سيارتي . بعض الأيام, الليالي, و اللحظات لا تغادر ذاكرتنا لأن فيها شيئاً مميزاً, فما المميز في هذه الليلة ؟

كنت في تلك اللحظات بالضبط, أحكمت خطة إنهاء معاناة هذه المهنة الشاقة, أن تصبح ضابطاً صغيراً على الحدود يعني أن تقضي شبابك في العزلة, و هذا مالا يتوافق مع شخصيتي و حبي للحياة .

دعونا نغامر بالدخول في رأسي:

أنا محاط بحفنة من العسكر حمقى, و كأنه لا يكفي أن يكونوا عسكراً . لست أراهم شيئاً فهم مجموعة من قليلي الحظ من التعليم و الثقافة – و هكذا يصنف الناس عقلي الباطن -, بسطاء حتى حدود السذاجة, تجاربهم الكثيرة في الحياة أكثر متعة من عملهم هذا و أكثر اقتراباً من الهدف الذي يحيون من أجله . أحدهم و هو برتبة رئيس رقباء, شاب شعره حتى غدا كقطن نثر عليه رماد, يظن أن تجارة المخدرات و الأسلحة متوقفة على أدائه لعمله, و ضبطه لأفراده, إنه يؤمن كثيراً بوظيفته, و يرى نفسه حامي البلاد من الفتن التي تعتريها, يتكلم دائما بزهو عن كمية المهربين الذين ضبطهم, و عدد الجراح في جسده, و الرصاصات التي تلقاها, كل قصة تختلف عن الأخرى و النتيجة واحدة, كل المهربين يقبض عليهم .

في الكلية, عندما عرفت أنهم – لا أدري من هم بالضبط – سيوجهوني نحو هذا القطاع, أسقط في يدي و شعرت بإحباط شديد, و عندما أُحبط أبدأ بالتفكير, أعني ينتهي كل شيء حولي ولا يبقى سوى التفكير و لأيام كثيرة .

أراهن أن أحدكم يفكر في علاقة تلك الليلة بالخطة, و في شعوري عندما عرفت أين سيوجهوني .

لا تقلق, لا علاقة لها بشيء, إني فقط أتذكر ابتسامتي السعيدة بشذى زهور الليمون. ما علاقة شذى الليمون بالقصة كلها ؟ لا علاقة له بشيء إنما يذكرني كثيراً بطفولتي وجدتي .

لم أحبط لأني سأفقد شبابي في المراكز الحدودية و حسب, بل لأني أكره هذا العمل الذي لن أرى مردوده على أرض الواقع .

كنت أعرف ماذا يعني حرس الحدود قبل أن أنضم للكلية, و كنت أصلي و أدعو الله ألّا يرميني في هذا القطاع بهفوة منّي أو انعدام حيلة – سمها واسطة إن شئت – . سأكمل و لكن تذكروا أننا ما زلنا نتجول في رأسي, هه مفهوم ؟

أن أعمل في هذا القطاع يعني أن أعيش كذبة و أصدقها و أجني منها ذهباً. إن وظيفتي أمام المجتمع و في عرف المجتمع هي حمايتهم ممن يتربصون بهم من مهربي المخدرات, و لكن عندما أكون صادقاً مع نفسي, و أتناسى أني مهرج يكذب على نفسه فإن المعنى في هذا الحال يتغير جذرياً لأصبح مجرد منظم لعملية تجارة المخدرات يا للحقارة و يا للتناقض المجهول ! المخدرات تطفو على السطح في البلد, و عدد المدمنين يتزايد, و عرفت بعدما عملت هنا, أن تجهيزاتنا متقدمة للغاية, و رغم هذا لم تتناقص عملية تهريب المخدرات بل تطورت بشكل لعين . إنه من المضحك و المبكي أن أعي هذه الفكرة, ضابط في سلاح الحدود و منظم تجارة مخدرات في نفس الوقت ! لو أني شخصية في رواية لسخر الراوي مني كثيراً و لتصدع رأسه من عدم فهمه هذا الحال ! من العدو هنا ؟ المهرب أم المنظم أم من وضع المنظم قد يختار الراوي الحل الأسهل فيعتبر المدمن هو العدو الأكبر لأنه عدو نفسه .

أكاد أجزم أن أحدكم ينتظر إفصاحي عن الخطة التي تخرجني من هذا العمل – العمل في المراكز – و يظن أن الخطة جبارة. خمن, ما تخمن يا صديقي ؟  لا لم تكن الخطة جبارة ..

كنت عندما ابتسمت, هناك في تلك الليلة مرتاحاً لأني عندها قررت أن أعيش هذه التجربة باعتبارها تجربة لن أعدم فائدتها, و لأني أعرف متى أنهيها و كيف, طلقة واحدة في قدمي من سلاح ( جي ثري ) كفيلة بنقلي للمستشفى,ثم للعمل المكتبي و عندها فقط سأنهي هذا الفصل من حياتي .

يوم ممل

أتساءل مالذي يمكن أن يفعله رجل يدلّي رجليه على حافة السطح  في ليلة صامتة ؟ 

من المرجح اني أضع سوء اليوم كله على صاحب الكورولا الذي تلاعب بأعصابي في زحمة الشارع, لم يكن ذنبه إلا أنه اعترضني بينما أحاول دفن قلقي و رغباتي تحت مرتبة السيارة, أيضا لا أستطيع تلافي أثر أيام الأسبوع الماضي على مزاج هذا اليوم أو مزاجي, كل ما حصل : أن المشاكل انفجرت في وجهي حالما اعترضني.

 إن الأمر كالتالي: ستة أيام من الصمت, ستة أيام من الحيلولة دون إذابة جبل الجليد بفعل الشعلة التي في رأسي, أفكر بالأمر قليلاً, لا شيء يغضبني, أعني: فعلا لا أشعر بالغضب, أريد أن أغضب و لكني اضحك !

حالة احباط عابرة, أعرف أني سأتجاوزها بعد ثلاثة أيام لكني أستعجل, ما عدت أقبل أن أصبر, لا أقبل ذلك لأني منتبه جداً, من الصعب التلاعب بقلقي خصوصا أني أدرك مفاتحه . 

ماذا يقلقني ؟ لن أخبرك, هذا سر, و هنا تكمن المشكلة, لك أن تعرف أن الأمر يتطلب أكثر من السؤال عن حالي, هل تستطيع توفير مسدس برصاصات لا متناهية و ترخيص بقتل ثلاثة أشياء يومياً ؟ كما اعتقدت: لا, لذلك كف عن التساؤل, سؤالك في أصله تشفٍ ليس تعاطف, من هذا الكائن الفوق أرضي العائش في الأرض و قادر على التعاطف ؟ تكذب, إنك تشفق ولا تعرف التعاطف, أو على الأقل أنا أعتقد ذلك, أنت غير مهم . 

بالمناسبة: ما قصتي مع الرقم ثلاثة ؟ ذكرته مرتين و هذه الثالثة, مجددا يتحقق هذا الرقم للمرة الثالثة. ما زلت تقرأ ؟ أشكرك . 

لا أستطيع خدمتك بتوفير فكرة مناسبة, ولكن على سبيل التجربة دعنا نتخيل سوية مسدس من طراز (جلوك) بلجيكي أصيل, عبر المحيط حتى وصل يد أمريكي أبيض قتل به مواطن أسود بدافع عنصري بحت, أقصد بسبب لون بشرته فقط, لم يحدث أي سابق التقاء بينهما, سجن الأبيض مدى الحياة, و احتفظت الشرطة بمسدسه, و مات الأسود مقتولاً بسبب المصادفة المكانية التي أوقعته في طريق الأبيض! سُرق المسدس من غرفة حفظ الأدلة, و عدة كيلو جرامات من الكوكايين, و أدلة أخرى فقط لأنها هناك, و لأن الذي سرقها شرطي فاسد, باع المسدس مع مسدسات أخرى و المخدرات سابقة الذكر حتى يحصل على مال يستطيع به إدخال ابنته الشقراء جدا جامعة مقبولة . 
ملاحظة للقانونيين, هل يحتفظ بالمسدس كدليل لأجل مسمى أم يتلف مباشرة؟ لا يهم, تخيل معي أن هذا السلاح انتقل من يد سفاح إلى يد سفاح آخر, من يد أسود ليد لاتيني ليد أبيض و تكاثرت الأيدي حتى وصل هنا, هل تستطيع تقدير كمية القصص و الدماء التي أراقها ؟ و على كم حادثة مريعة أو رائعة – لا فرق –  كان شاهداً ؟ و بعد هذا كله, وصل هنا و انتهى إلى يدي, و بينما أنا أقلبه في السيارة, أدرت الراديو, ثلاث ثوان فقط من إعلان إحدى شركات الإتصالات حولت المسدس من شيء عظيم يخزن في ذاكرته مئات القصص المثيرة, إلى شيء أحمق عديم الصبر يستفزه صوت الأحمق الذي يقوم بالإعلان – بالمناسبة صوته قذر جداً – فيثور و يسكت الراديو للأبد, نهاية محزنة للراديو و سقوط أخرق للمسدس .

انسى هذا الخيال عديم الفائدة, و ركز معي ما دمت وصلت إلى هنا: اليوم أقلب جوالي الجديد, تخيل أني أفكر بشرائه منذ أربعة أشهر؟ ظللت عبداً لرغبتي به, أربعة أشهر, كل يوم فيها أزور معارض الأجهزة حتى أقنع نفسي به, غير مقنع على الإطلاق و بعد التجربة تأكدت أنه غبي, أتذكر الأيام الماضية قبلما أشتريه, كنت أرى إعلاناته في كل مكان, و حتى أبعده من دائرة التفكير القريبة, أصبحت لا أدخل المطبخ, كنت أخاف أن أجد إعلانه معلقاً فوق الفرن – أظن أن هذه دلالة رمزية, أن تشتريه هذا يعني أن دونه إحراق مؤخرتك – و احترقت يا صديقي القارئ, احترقت . 

إن كنت وصلت إلى هنا, فأنت مجنون, ألا تعلم أنك أضعت من وقتك الثمين خمس دقائق ؟ 

اليوم فقط واجهت فكرة أني غير صالح للاستخدام البشري, كنت أتناسى أن الحياة ليست لعبة فيديو, متى ما تورطت أعدت اللعبة من البداية, أيضاً الحياة ليست معرف إنترنت, تستطيع حذفه و البدء بمعرف جديد يحافظ على سريتك لمدة معينة, حتى ينتهي دوره فتواصل بذلك تدوير هذا العمل, سألني صديق بينما نتحدث عن أمراضنا الصغيرة: هل تعاني من مشاكل عالقة في الماضي؟ قلت له: لا مشاكلي مع المستقبل, ولكنه لا يعلم أني كذبت, و أني أشتكي من الحاضر, أنا قلق و عجول, الحاضر لا يصلح لي, و هذا رسوب في اختبار الاستخدام البشري, الكون لا يقف عند رغبتي, أيضا لا يقف عند رغبتك لكنك – عزيزي القارئ – لا تهمني, يحزنني أن الكون لا يدللني, أقصد الدلال الكامل, الدلال الذي تقدمه لك لعبة فيديو .

ما زلت هنا ؟ أنت مجنون رسمي! 

أزح الغبار و اقرأني

أَكمِل فكرتي, صغها بطريقة تجعلني أصفق و أشير إليك بإصبعي قائلاً : (( بالضبط بالضبط ! )) . أرجوك لا تدعني أرجوك أن تفهمني, و إذا جئتك بجملة مهلهلة افهمها و رد عليها بشكل كان يجب على جملتي أن تتخذه .
ولنخض في نقاش حاد, تمسك برأيك في عناد من يؤمن بما يقول, ولا بأس بالصمت حينما نشعر أن الحال أصبح غريباً, نصمت قليلاً الصمت بيننا معبر . و إذا ما استوحشنا من الصمت , نألف قصة كان ضحيتها أحد المساكين الذي لم يسلم من حدة ألسنتنا . تكون نواة القصة كلمة قالها , أو كلمة قلناها تصف شيئاً لم يعجبنا فيه .
عيناك يا صاحبي على ضميري ترعاه . تنهضه إذا ما تعثّر , و إذا عميت بصيرته هديته لأنك تعلم إن لم تنهضه سيموت صاحبك كمداً و إذا عميت بصيرة ضميره تخبط صاحبك في الضلال ولا تريد لأخيك أن يضل فهذا وادٍ لا تسمح الشياطين لمن دخله أن يخرج منه .
قد آتيك مرة آخر الليل و أجلس معك في بيتك, و يكون مزاجنا فارغاً لا نتحدث إنما يعمنا سلام روحي عميق. نشاهد التلفاز الذي تمسك بآلة تحكمه. توقف البحث على محطة غنائية, ينشد المغني و تتطلع إلى وجهي بنظرة مستفسرة, ما تلبث أن تتحول إلى ضاحكة, عكستها ملامح وجهي المتمعر, تعلم أن عقلي في هذه اللحظة في حالة تفكيك , و تفسر ملامحي : (( كان عقلي يفكك كلمات الأغنية كلمة كلمة, و ألحانها و إيقاعاتها يفككها آلة آلة, فلم تنجح في اختبار التفكيك, حيث أني في مزاج منطقي في هذه اللحظة, يطلب أن يكون كل شيء في الأغنية له سبب, و له معنى .. )) , تغير المحطة لتستقر على أغنية فتعيد النظر, تجدني مترقباً, ثمة شيء في هذه الأغنية يقهرني, إنها كاملة, أعرفها و كأني في هذه اللحظة أنتظرها, و في مثل هذا الحال, تنتصر الأغنية علي ممزقة أوراق اختباراتي كلها , تنتصر باسمها فقط . تراني يا صديقي أرفرف رأسي و تبتسم فلا تعلق . أعود إلى البيت لا أشعر بشيء إلا السلام الذي حظيت به عندك, و أبتسم امتناناً يا صديقي .
تراني مرتديا بنطالي الرياضي, و قميصاً مهترئا, جالساً على عتبة باب بيتي, تدرك أني لست على ما أحب من حال, تمر بي و تسلم, تسأل عن الحال. تجيبك عيناي فلا تعيد السؤال مهملاً إجابتي التقليدية (( بخير )) . تجلس القرفصاء بجانبي لتشعل لفافة و تعطيني أخرى, ندخن نصفها ولا نكملها. نصبح اثنين يتأملان الأفق, تند تنهيدة من صاحبك لا تطمنك على حاله, و لكنها لا تقلقك تعرف أن صاحبك يحتاجك هكذا, شخصاً يحس به ولا يضطره إلى التفسير .
يحصل أن أنقطع عنك مدة و أعود, ولا أجدك عاتباً ولا متظاهراً بأن شيئاً لم يحدث, تعلم جيدا أني أحيط نفسي بسور سميك, سور أبتعد به عمّن يحاول الإقتراب منه أو الإشارة إليه . السور له بوابة , البوابة فيها كوة مغلقة, إذا فتحتها ناديتك و أنت بعيد هناك تنتظر لأعطيك خلالها ما تحفظه لي, و إنك لا تقتات منه بل تعمر به صداقتنا, تكفيك عناء التظاهر, و تكفيني عناء العتب .

و دع الأيام تمضي, و دع الأحداث تخلد بعضها, و دعني أتذكر ..
أسألك .. هل تذكر أول يوم ألتقيتك به ؟
و أجبني : كان ذلك أول يوم جئتَ فيه المدينة .

السائح

وقف خلف النافذة ملقيا ببصره إلى الشارع, أخذ يفكر قليلاً, يتذكر ثم يفكر ..

في نزل رخيص على شارع مظلم يسكن, نسي أين كان آخر مرة تحسس فيها محفظته المفقودة, أغمض عينيه ثم فتحها و لم يجد بين إغماضته و انتباهته سببا لسكناه هذه المنطقة التي يقضي فيها آخر أيام عطلته .

جلس على كرسيه, هذه الليلة جد رتيبة لا تختلف عن سابقاتها إلا أن مكانه أصبح نحسا, يحاول دفع عجلة الليلة بكؤوس النبيذ, و لكنها لا قوم بعملها في هكذا ظرف, سيسافر عائدا في الغد و تذاكر القطار و الأوراق النقدية التي ستوصله إلى بلدته مفقودة, لا يستطيع النزول و البحث عنها في هذا الشارع المخيف بمثل هذا الوقت من الليل .

ركز بصره من جديد :

يبدو أقرب إلى زقاق منه إلى شارع, مرصوف بالحجر الذي يشي بقدم المنطقة ذات المباني التي كما يبدو عليها أنها أبعد من الحرب العالمية الأولى . إضاءته خافته للدرجة التي يستغرب عندها الناظر جدواها . في البعيد هناك تعبر دورية أمنية مسالمة جدا حد أنها تجاهلت المرأة السكرى التي تشتم الهواء و هي تتعرى, تشتم الهواء بلغة قاسية لا يفهمها و لكنه يفهم دلالتها, هي تريد شيئاً لا تستطيع الحصول عليه, ربما حفنة بودرة مخدرة . انتابته قشعريرة, ماذا لو كان هو الذي مر بجانبها و صرخت به؟ ماذا لو كان ذلك الثمل الذي يترنح في الطريق مس كتفه كتفه, ترى هل سيصرخ من الذعر ؟ هل سيعتقد أن هذا بشري أم بقاياه ؟ أوه ماذا لو هاجمه بسكين و كانت السكين ملوثة ؟

عبثت برأسه كؤوس النبيذ حتى تشجع و قرر أن ينزل للبحث عن المحفظة. فورا وجد نفسه في الأسفل بسرعة تليق بتتابع صور الأحلام . أخذ يفكر بالمحفظة مرة أخرى, أين أضاعها ؟ سؤال يغطي رغبته الأصلية بالنزول: تحدي الخوف أو اختبار هذا الشعور على هذا الشكل تحديد ( النزول إلى شارع مخيف في وقت غير مناسب ) ابتسم .. صابته رعشة مرة أخرى جعلته ينفخ في كفيه ليطردها . كل شيء يدعوه للإنهيار و لكنه يصمد, صمد حتى أضاع فكرة البحث عن المحفظة . مطرقاً رأسه بوجل كان يمشي, ناقلا بصره بحركة تتردد من الأمام إلى الأسفل, يحاول أن يتذكر : كيف كان ملمس امرأة؟

انتبه – و كأنه لا يدري – أنه ليس وحده , كان هناك رجل على بعد عشرين قدم جالسا على عتبة باب مبنى متهالك, و كلما اقترب زادت رهبته, صعق حين رآه عن قرب,هائل التكوين مرعب القسمات تتجلى أمامه رغم الظلام. يفكر بفداحة الخطأ, الجرأة الزائفة بفعل الكحول لا شيء آخر, الكحول الذي تطاير من عقله حالما رأى العظيم الجسيم المرعب ينهض, ابتسم هذا الأخير ببلاهة تتعارض بشكل فاضح مع هيئته الكلية, رد بابتسامة تكشف خوفه أكثر مما كان يظن و هو الذي كان يحاول تمالك أعصابه . ماذا ترى قد يكون هذا المرعب, قوادا أم مروج أم مدمن آخر بهت بجرعة مخدرة ؟ و هذا الزقاق لماذا لا يكون مجرد زقاق آخر خال من البشر, مخيف لا بأس لكن مخيف بلا بشر ؟!

كل أصحاب المشاهد هنا جائعين إلى شيء ما, يحنون إلى مفقود ضاع في الطريق بين المراهقة و الشباب, ربما بين الطفولة و المراهقة لبعضهم, حتى الجدران هي الأخرى تعيسة, ترى هل كان حلمها أن تكون جدران مدرسة خاصة ؟

– أين فقدت المحفظة؟

-هل هذا البحث مجد؟

-هل سأجدها ؟

-أبحث و هذا ما يجب فعله

-و لكني أعلم أني لن أجدها!

-يكفي أني لم أتخلى عنها

-لقت تخليت عنها حين فقدتها و بحثي عنها غير مجد حتى لو كان البحث لمجرد إبراء ذمتي أمامك !

-هل أضعتها عمدا دون أن أدري ؟

-فقدَتها ذاكرتي في منتصف الطريق بين شمال المدينة و وسطها … همم

– لقد أضعت ذاكرتي أولا, و مع كل هذا الزخم و الزحام في رأسي لا سبيل لاسترجاعها ..

لا بد أن شعوره واضح بالنسبة إليه, العطلة كلها في كفة, و ذاكرته المفقودة التي أضاع معها المحفظة في كفة و ترجع كفة الأخيرة و تكسر الميزان ..

حين يتذكر لحظات التبلد التي ينسى عنها ما كان يريد تحديداً يعلم يقينا أنه لو قايض أياما من السعادة بهذه اللحظات لما تردد, هذه القدرة على التحكم بالتبلد بحيث يستعمله وقتما شاء .. لكنه متأكد من بطلان هذه الفكرة غير الواقعية و هو الغارق في الواقع, الشارع  المظلم حتى أذنيه ..

يبتسم عند هذه الفكرة لأنه مجددا تشاغل عن القضية الأساسية, المحفظة الضائعة, نسيها و تاه في سراديب أفكار أخرى , صحيح متعلقة بالفكرة الأساسية لكنها متشعبة بحيث تخدرها قليلا .

أحس بتعب من المشي الطويل, أخرج حافظة الويسكي الصغيرة و جلس مفترشا الرصيف, حين رفت أجفانه و أحس بثقلها الشديد شعر بالهوان :

– مالذي يجعلني شديد الإختلاف عن هؤلاء أعضاء الزقاق الذي أنصب لهم المقصلة في ساحة محكمتي ؟

ترى مالذي أنساه بالضبط ؟ ما هي الفكرة شديدة الجاذبية بحيث تنسيه كل شيء ولا يتكذر فقدانه إلا بعد ساعات في الغرفة ؟

لو تذكرها لأطلق عليها النار و لتركها تضرج بدمائها و لبصق عليها ……

في الصباح تنبه من نومه على رفس أحدهم له, حين رأى ثيابه و قد اتسخت, و حين اشتم رائحة نفسه الكريهة الكحولية, أخذ يطيل النظر فيمن في الشارع بائسين. أحس أنه لا يختلف عنهم, و لو كان هذا الشبه لليلة واحدة فق .

كان أول سؤال طرق ذهنه :

ترى هل كلهم أضاعوا محافظهم ؟

منظور منتحر

هدد بإلقاء نفسه من أعلى المبنى, ينتحر و يضع حداً لحياته المزرية, و أمامه صفوة أحبته, يدعون الله أن لا يفعل, و هو يريد أن يفعل إلا إن زال ما جعل حياته مزرية. ذلك بيدهم, يراهم سبب شقائه, مل من تكرار محاولة التغيير, فقرر ما قرر بعد أن رأى الإنتحار أسهل من التغيير. يسمع أن الريح تنحت الجبال و أن الإنسان روض الريح ! لكنه يتساءل “ما بالي عاجزاً “؟
خالط الدمع أحرفه الأخيره, كيف ضيعوه و أوصلوه لهذه الحالة, يسمعهم و هم يردون: ” سنتغير, سنتغير, سنفعل كل ما تريد ” لكنه حشر رده في صدره حينما كان يريد أن يقول ” لست طفلاً حتى تقولون لي ما أريد سماعه فقط ولا تفعلون ” . هو لا يدري بالضبط كيف يريد أن تتم العملية, لكنه في نفس الوقت لا يريد أحداً يستهين بذكائه, يقول في نفسه ” كيف, كيف تتغيرون ؟ “
الكل خائف, إذ لا أحد يريد أن يرى اللحظات الأخيره في عمر حي, فكيف إن كان الحي هو, و هم المشاهدون ؟
لم يكن يستطع أي منهم الحراك, و أراد أحدهم عمل أي شيء لإنقاذ الجمع من كارثة قد تحصل, فهم بحركة سريعة أن يوقفه, صاح ذاك بأعلى صوته : “سألقي بنفسي و الله إن اقتربت خطوة واحده “! و لم يرتدع الآخر بل رأى أنه يهدد لأجل صنع موقف, حتى جملته الأخيره تدل على عدم قدرته, و إنتفاء صفة الإقدام من المشهد كله, لكنه لم يدر أن المسكين, يهدد رحمة به حتى لا يخسره هو, أما حياته فما عادت تساوي شيء إلا لأحبته الذين أرادوا مقاومة القدر الذي كانوا جزءاً منه و متسببا به, و لم يكن ليحدث لولاهم !
هوى, بعد أن زلت قدمه و هو يحاول إنفاذ تهديده , هوى و هو يلعن في نفسه ذلك الغبي الذي لم يقدر جدية الموقف, هوى و هو يغمض عينيه بسلام ! هوى بلا حسرة !
قد يظن أحدكم, أن بي ميلاً للإنتحار, أو أني مكتئب مما جعل حياتي تعيسة أعاني على إثرها السُهاد, و تمدد ساعات النوم !

لا .. على هونكم

كل ما في الأمر أني صعدت للسطح كي أحظى بتدخين سيجارة ما بعد الغداء, فتطاولت لأرى الشارع من فوق السور ثم ها أنا الآن أترجم لكم صورة مريضة .