أوسكار الكنيسة

*دوستو هو اسم مستعار لي لما كنت واحد من حرافيش الكنيسة، و الكنيسة: المسمى شبه الرسمي لشقة حي الفلاح.

سيداتي سادتي .. مساء الخير , تسمروا أمام الشاشة أنتم الليلة على موعد مع الحفل الكبير لأفلام الكنيسة .. لا تذهبوا بعيدا .. أدعكم للإعلانات ثم عودة سريعة ..

هذا الحفل برعاية (( تساليطعمها واااو ))

(( – هيلينا .. هيلينا .. هييلي .. كيف بدوتُ أمام الكاميرا ))

(( – أووه عزيزي مالكوم كنت راااااائعا , ابق هكذا وستسرق النجومية هذه الليلة ))

(( – ششش سينتهي الإعلان , لا أعلم من صاحب العقل الحذائي الذي خرج بفكرة هذا الإعلان .. بالمناسبة فستان جميل .. ))

(( شكرا مالكوم .. لفتة جميلة منك , تورد خداي , هيا هيا ))

أهلا بكم مرة أخرى .. أنا مالكوم جونسون و هذه هيلينا تاكر .. هيلينا تفضلي

أهلا بكم أعزائي الحضور و المشاهدين , في هذه السنة ترشح الكثير من الأفلام , و استبقى الحكام فيلمين منها .. المرشحون هذه السنة للأوسكار هم …………

**************************************************

خرج رجل من خلف الكواليس و ضرب المقدم على قفاه ثم رمى بضعة قروش عليه , لم يستطع ضرب المقدمة , ضمها لصدره و قبلها على شفتيها , همس في أذنها شيئا ورّد خديها, ثم اختفت خلف الستائر . توجه نحو الحضور و قال : أنا من سيقدم الحفل الليلة , اعذروني كنت قريبا من المقدمين و لم استطع تحمل جمودهما , الفتاة جميلة و استبقيتها لي . ثم ضحك ضحكة متقطعة .

اعزائي .. سأكون أنا منظم الحفل و مقدمه , أعدكم بوقت ممتع و تجربة فريدة .. بالمناسبة .. اسمي اوسكر .. أوسكر الأوسكار .. ما غيره , هذا الرجل الذهبي .

(( صرخة دهشة مكتومة ثم تصفيق حار ))

في البداية دعونا نغمض اعيننا لدقيقة حدادا على الممثل الراحل (( الشنب )) الحائز على أوسكار السنة المنصرمة , بعدها سنعرض عليكم فيلمه الحائز على الأوسكار ..

“” أقوى نصبة ” / ‘the greatest lie ‘

(( كنت واقفا معها في المصعد, قبل أن أدخله ارتبكت قليلا , نظرت إلى عينيها , إذ بها ترنو إلي بناظرين ملؤهما الرغبة, نظرت إلى الأعلى لأرى في أي طابق أنا , قد ضيعت يقيني و كل ما قد آمنت به , أريد أن أتأكد أني على هذه الأرض لا في السماء, ملاك يحتوي بشر من طين بنظرة نورانية, يا صاحبي أقسم أن الأرض اهتزت بي , قلت لنفسي , اثبت يا شنب , فإن كانت ملاك , فأنت شنب , أعدت البصر كرة أخرى , و تراءت صغيرة جدا , أشهد أنها ملاك لا أنقصها حقها و لكني أنا أنا .. لم تتمالك نفسها أمام قسماتي الرجولية, و أوقفت المصعد عنوة حين هم بالصعود بينما كنت أهتز, قالت لي .. بالله عليك ما رقمك .. ))

واااااااااااااااااااااااا ااااااااااااو (( صوت تصفيق و تصفير حاد )) واااااااااااااااااااااااا اااااااو

هذا كان مشهد من فلم النجم الراحل شنب, مشهد أسطوري رائع , جورج .. جورج تعال لتعقب على كلامي أو أسألك لا أستطيع التقديم بمفردي .. آه بالمناسبة , الحفل برعاية شركة افغانستان المحدودة لزراعة القنب .. جوورج تفضل

قلة من الممثلين من يتقن الأدوار بذا القدر, رغم عدم وجود المعطيات, خسارة كبيرة للساحة الفنية فقدان الراحل , لا أدري كيف واتته القوة على تمثيل هذا المشهد, ألم ير وجهه في المرآة من قبل ؟ أراهن أنه كان يتخيل نفسه رجلا غير الذي هو عليه , إتقانه لا يشفع للمخرج اختياره حقيقة , أظن أن مثل الراحل لا يصلح إلا لنوعية الأفلام التاريخية المحلية , شارباه أوضح مثال على تلك الحقبة لكن المحصلة أن الممثل استحق الجائزة لأداءه . فقدانه خسارة كبيرة ..

في الباقين الخير و البركة .. اوووه أعزائي الحضور , جاءني نبأ وصول النجوم, هم على السجادة الحمراء الآن , مراسلتي من هناك .. هيذر .. هيذر معك المايكروفون ..

شكرا اوسكر, أنا الآن أشاهد من مسافة غير قريبة نجومنا : دوستو, عزيز , محمد و خالد .. يبدون في أبهى حلة , أشاهد دوستو بشعره الأجعد و ذقنه المهمله , يلبس قميصا رياضيا أظنه لمنتخب إيطاليا, كثيرا ما يصرح بحبه لهذا المنتخب يمشي على مهل . بجانبه هناك عزيز يرتدي بذلة أرماني يبدو بها على غير ما تظهره كاميرات البابارتزي التي التقطت صوره مؤخرا و هو يلبس الشورت المتجرثم .. سأقترب منهم سأقترب منهم .. اسمحوا لي , عذرا .. سأمر , عذرا , مراسلة قناة الكنيسة ستمر من هنا , عفوا , اسمح لي , معي الآن النجم الكبير خالد المرشح عن        :فيلمه

(( مسرح الجريمة )) / the crime scene ..

خالد, كيف يبدو شعورك كممثل مغمور ارتقى فجأة إلى مصاف النجوم خلال سنة قفزة نوعية بفلم واحد أليس كذلك ؟

ارتبك خالد قليلا , ثم سوى قميص البولو الأزرق , زملاؤه النجوم كثيرا ما اشتكوا من روتينية خالد الممثلة بقميصه , خالد يقول دائما أن القميص غالٍ عليه حيث أنه اشتراه بينما كان يتمشى مع حبيبة المغربية في شوارع مدينةسلامسقط رأس أخواله , يرد محمد قائلا : كفى يا رجل , قد مضى عشر سنوات , انسى , اليوم الذي لا تلبس فيه القميص , هو اليوم الذي تلبسه مقلوبا , الرحمة يا رجل !

أحب أن أشكر جدتي مريم أولا على رقيتها التي أوجدتني هنا على هذه السجادة و التي لولاها لما مثلت في الفيلم ولا كنت مع زملائي النجوم , كما أشكر الممثلين عزيز و دوستو و محمد على خدمتهم لي طوال تصوير مشاهد هذا الفلم , أأأأ ,اممم كنت .. لحظة دعيني أقرأ الورقة .. آآه .. أشكرهم لأني أتعبتهم كثيرا كما تعرفين أنا ممثل مغمور و لم أدرس في كلية الكنيسة للفن , يا الله أنا لا أصدق نفسي يا الله هيييييييييييييييييييييييه .

قاطعه محمد قائلا : – خالد , قلت لك مئة مرة لا تفعل هذه الحركة , لم أعطك الورقة إلا لأني لا أريد رؤيتك بهذا الشكل المقرف يا مقرف .

بدا محمدا متقززا و هو يعنف خالد , استعاد ملامح وجهه بسرعة , كان قد تسلل إلى ذقنه بضع شعرات بلون الفضة, أعطته وقارا أضيف إلى هدوئه الذي رأيناه في الحفل الماضي , يلبس ثوبا أصفرا على غير العادة .

محمد , ثوبا أصفرا ؟

كريمي , قلنا لكم مليون مرة كريمي , الأصفر ليس لنا .

كريمي , جميل لكن لمن الأصفر ؟

للناس الذين لم تستطع المدنية تهذيبهم يا هيذر .

أبعد دوستو المايكروفون عن محمد ثم قال له :

محمد إلى متى و انت حانق هكذا , ابتسامة صغيرة لا تضر, أصفر كريمي مدني غير مدني , بقريح , انظر لحجم ابتسامة عزيز الذي يساوي حجم صلعته , لا تمن على الناس بابتسامة .

كان النجوم قد ابتعدوا قليلا بينما هيذر مستقبلة الكاميرا : اوسكر .. يبدو لي أن محمد يدلي بتصريح عن كرهه لنوعية من الناس , لا يتوانى محمد عن فعل ذلك في كل محفل , عموما يبدو أنهم قد دخلوا لم استطع اللحاق بدوستو ولا بعزيز .. المايكروفون لك اوسكر ..

********

شكرا هيذر .. كان تصرف خالد مثيرا للضحك , كما في فيلمه بالضبط, يبدو أن المخرج قد عرف كيف يختار الممثل المناسب للدور , هاه جورج ؟

صحيح أوسكر , مخرج هذا الفلم الممثل العظيم دوستو, لم يقم بالتمثيل و اكتفى بالإخراج , إخراج متقن يستحق فعلا الترشيح لجائزة أفضل مخرج بالإضافة لترشحه لجائزة أفضل ممثل .

عزيزي جورج يبدو أنك نسيت أننا نتحدث عن النجم خالد هنا .

النجم الحقيقي في هذا الفيلم هو دوستو , دوستو هو كل شيء في هذا الفيلم , هو الملهم هو ال ..

حسنا حسنا جورج فهمنا قصدك , لنتوجه الآن أعزائي الحضور و المشاهدين إلى الشاشة لنعرض عليكم فيلم مسرح الجريمة .. بطولة خالد و عزيز , و بمشاركة صوت النجم الكبير محمد ..

عزيزي أوسكر , دعنا أول نعرض فيلم دوستو قبلا , المخرج و الممثل الكبير يستحق فعلا أن يعرض فيلمه بعد فيلم الراحل , و إلا لن أكمل معك .

هم اوسكر بطرد جورج لكنه تذكر أنه ناقد فني كبير و في طرده خسارة كبيرة , كبّر عقله ثم قال :- حسنا حسنا جورجي سنعرضه .. أعزائي الحضور و المشاهدين , الآن سنعرض فيلم

(( طالب جامعي / college boy ))

بطولة دوستو و دكتور ابو قطوة الغائب عن هذا المحفل . اكتسح الفيلم شباك التذاكر حسب إحصاءات البوكس أوفيس الكنسي, فيلم درامي يحاول فيه البطل إيجاد حل لمشكلته الجامعية المتمثلة في طول إقامته بين جدران الكلية , لكن على عكس ما يتوقعه المشاهد , تطول مدة بقاء البطل بحركة حمقاء غير مقصودة .. إلى مشهد النهاية أعزائي الحضور و المشاهدين .. :

(( – دكتور أبو قطوة , قد طالت مدة بقائي و صرت ضحية لجدول القسم , إن لي أما مسكينة تنتظر تخرجي, كلما قطعت شوطا تأخرت آخر, أستطيع تحمل الساعات المتبقية و أنهيها في مستوى واحد , لكن الجدول مليء بالتعارضات و المتطلبات , دكتور ,, دددد دكتور أنا , أنا لا أقدر على الإنتظار مستوى آخر , أرجوك يا دكتور , أنت من يصنع القرار هنا و أنت من يستطيع كسره , أرجوك أستثناء واحد .. ليس من أجلي , بل من أجل أمي الضعيفة , من أجل حلمها برؤية ولدها الكبير يشتري الدخان براتبه بدلا من أن يطلبها كل يوم سبعة ريالات, من أجل شعورها بالذنب الذي يغمرها كلما طلب سبعة ريالات بالتحديد , أرجوك يا دكتور ..

أنا لا تؤثر بي القصص العاطفية , النظام نظام .. و الآن من فضلك عندي عمل أؤديه ..

فكر دوستو أن يثور بوجهه, أن يرميه بالقلم الذي أتعبته الخطابات , خطاب لمدير الجامعة , خطاب لعميد الكلية, خطاب لأمير المنطقة , خطاب لأمه يطلبها سبعة ريالات , خطاب للصحيفة يطلبهم الإطلاع على مقالاته و من ثم نشرها .. فكر قليلا ثم تعقّل , خرج من المكتب و لم يستوعب أنه أغلق الباب بقوة إلا حينما ناداه الدكتور مرة أخرى .. قال : يا ويلي !!

تغلق الباب بهذه الطريقة الغاضبة ؟ حسنا لقد ربحت سنة أضافية يا صديقي الصغير ..

– !!

موسيقى حزينة يا ولد .. كااات ))

****

فيلم جميل .. فيلم جميل ..

صحيح أوسكر فيلم جميل ,يكفيني أن دوستو هو بطله , كانت الشخصية قد تلبسته و لم يلبسها , فصلت عليه و لم يقم بالشيء الكثير, لا أبالغ إن قلت أن هذا المشهد قد صار له بحياته خارج الأستوديو , ارتباكه أمام شخص يتحكم بمصيره , رجفة القلم بيديه المرتعشتين , أفكاره التي منعته من الإنفجار بوجه الدكتور, و ثم قلبه الذي انتزع من مكانه بصوت الدكتور , راائع راائع هو فقط راائع ..

صحيح جورج , صحيح . (( يقول لنفسه , أخيرا أطبق فمه , آآه لولا أنك الناقد الوحيد .. هؤلاء هم النقاد , إذا أحبوا ممثلا طيروه للسماء فوق الناس )) , أعزائي الحضور و المشاهدين , طال انتظاركم , و الآن نجومنا أماكم على خشبة المسرح رحبوا بالكبار .. دوستو محمد عزيز خالد تفضلوا

(( هيييييييييييييييييييييييي ييييييييييييييييييييييييه صوت تصفيق ))

(( دوسوووو ياكبييييييييييييييييييييي يييييير ))

( وييين البنات ما فييييييه بنات ما نبي ))

(( محماااااااااااااااااااااا ااااااااااد تعال وقع على قميصي ))

(( عزيز كرشتك كبرت وش النعيم اللي طاح عليك فجأة ))

(( محمد إلى متى و إنت تحاول تزرع شعرك و يطيح ))

(( خااااااااااااااااااللد حبييييييييييييت شخصيتك ))

كثير من المشاعر الجميلة يكنها الحضور لنجومنا , هاه جورج ؟

مجموعة تستحق كل هذا الحب عزيز اوسكر, هذا لا يعني أن الجمهور ليس لحجي .

نتوجه الآن إلى الفيلم المرشح للأوسكار , عفوا , الفيلم الحائز على أوسكار هذه السنة , فيلم مسرح الجريمة , طظ فيك يا جورج , أنا الأوسكار و أنا أعطي الجائزة من أشاء, كفاية , حتى متى و أنت تتبجح بغباوتك, فيلم دوستو جميل لكنه لا يستحق كل هذا التبجيل , سيكيورتي , خذوه ..

(( هيييييييييييييييييييييييي ييييه صوت تصفيق حاد هيييييييييييييييييييييييي يييييي صوت تصفير ))

(( كفاية يا جووورج كفاية يا جورج ))

(( عاوزين حشيش , خلصت الانتخابات ))

مسرح الجريمة , هذا الصيف, بطولة خالد , عزيز , محمد , واحد مقتول , هندي البقالة , و قزازة ببسي : (( عزيز اقول لك لقيت الرجال مذبوح , عزيز اسمع كلاميصديق أنا و الله ما في معلوم مين هداعزيز و اقسم بالله )) ترقبوا الفيلم ,العرض الأول بصالة الكنيسة ..

(( كان خالد قد خرج من الكنيسة نازلا الدرج متجها نحو البقالة , في أمان الله يمشي ليس بخاطره شيء يجول, يرتدي البولو الأزرق الذي يؤمن بأنه يحميه ضد الشرور و المهالك لا سيما و أنه بطّنه برقية جدته مريم , نظر إلى الأسفل عبر الدرج إذ باثنين يركضون هاربين , ارتجف خالد قليلا ثم نزل بتأني , أجال بصره في المحيط و لم ير أحدا , الوقت ليلا و الحركة في الليل قليلة و هادئه , اخذ يفكر فيما يمكن أن يكون قد حدث, حينما وصل للطابق السفلي التفت يمينا ثم شمالا , تقدم قليلا ثم شاهد ما جعل عيناه تتفتحان عن آخرهما , رجل مطعون, تلعثم خالد , غطى وجهه بكفيه كمن اكتشفت للتو أنها حامل , تملكه الرعب و شل قدماه , أراد أن يذهب ليرى الضحية إن كان قد مات أم لا , إلا أن قوة غير أرادية حملته إلى الكنيسة هناك في أعلى العمارة , أراد أن يبكي, هو لم يختبر الموت في حياته كلها , تجربة جديدة أعاقت تفكيره , لوهلة ظن أنه هو القاتل , لم يتخيل أبدا أن تجمعه الأرض وجها لوجهحسنا وجها لظهر مع المقتول, أراد أن يضرب نفسه , لماذا لم يحاول تفقده , لماذا لم يطلب الإسعاف , لم يقم بفعل شيء , طرق باب غرفة عزيز الذي طلع عليه بشورته الجرثومي و قميصه المشجر :

خير ؟

عبد العزيز فيه واحد مقتل تحت !! انطعن !

صدق !!

إي و الله !

اصبر خلني اشوف , لا لا ما اقدر ما اقدر انزل أخاف !

انا خايف , أخاف الشرطة يجون و اصير انا القاتل , اخاف المسه و يقوم علي يطلع مو ميت !

قاطعهم صوت يشبه صوت أبي سيمبا في فيلم الملك الأسد قائلا :

إتصلوا بمحمد , إتصلوا بمحمد هو لديه الحل .

ثم ظهر مصباح فوق رأس عبد العزيز الأصلع .. قال عزيز : لقيتها , إتصل على محمد !!

ألو محمد , خالد يقول إنه لقى واحد مطعون تحت !

خالد اللي يقول ؟ يا بن الحلال , تدري وش السالفة ؟

وش السالفة ؟

تلقى خالد رجع من البقالة , لقى واحد ينقّش رجله , و سأله قال وش بك ؟ رد عليه ذاك إن رجلي دخل فيها قزازة و قاعد احاول أطلعها , يا بن الحلال خيال خالد مريض ما عليك منه .

ههههههههههههههههههههههههه ههههههههههههههههههههههههه ههه , طيب طيب , أنا بانزل اشوف وش السالفة .

وش لون تنزل , هماك تقول منيب نازل ؟

امش امش الله يقلعك هههههههههههههههههههههه مطعون أجل .

توجه عزيز و خالد ناحية الطابق السفلي, أحس عزيز أن خالد صادق رغم رد محمد, كان الخوف يتصاعد جزئيا من أقدامهما حتى رأسيهما , خالد لم يستطع النزول ففضل العودة , استجمع عزيز شجاعته و أخرج بطاقة عمله الصحفية , وجد الكثير من الشهود حول الجثة , تنفس عميقا و قال لنفسه : أنت محقق صحفي, أنت محقق صحفي, حتى و إن كان مسماك الوظيفي محرر , أنت محقق صحفي, حاول عزيز أن يستعيد رباطة جأشة إلا أن مشهد مسرح الجريمة المهيب لم يتح له ذلك بسهولة , استعادها أخيرا ثم قال بصوت جهوري :

أنا محقق صحفي , ماذا حدث ؟

محقق ماذا ؟

محقق صحفي . ماذا حدث .

إتصل على الشرطة ولا تطيل الحديث , محقق صحفي !

شعر عزيز بالإحباط , لكنه لم يدعه يستمر طويلا , على أمل ترقية تأتيه بعد أن يأتي رئيس التحرير بسبق صحفي كهذا , كانت الأفكار تزدحم برأسه, ترقية , و مسرح الجريمة, سآتي بما لم يأت به من كان قبلي, سأحقق مع النملة لآتي بالسبق . قصد البقالة بينما هو يستمر بتعزيز عزيمته , العامل على غير البقية كان هناك لم يغادر , حاول عزيز أن يمارس سلطته كمواطن على هذا المقيم الضعيف , و ذلك بأن سأله بعنجهية دون مقدمات :

وش صار ؟

صديق و الله أنا ما في معلوم , شوف شوف شورطة يجي ..

نظر عزيز إلى الخارج إذ بسيارة الشرطة للتو قد توقفت و خرج منها ضابط و عسكري , أغمض عينيه, قد ضاع أمله , حينما تأتي الشرطة يختفي كل الصحفيين. أدخل مسجلته بجيبه ثم ركب سيارته و هو يلعن ))

***

وووووووووووووووووووووووه برافووووووووووووووووووووو ووووووو برااااااااااااااااااااااف و

جن جنون الجماهير , البعض منهم يمسح دموعه , لم يستطيعوا كبح جماح مشاعرهم , اوسكر هناك يسلم الجوائز كلها للمجموعة بدون تصنيف, خالد يرمي قميص البولو في الهواء ليظهر فانلته الداخلية مكتوب عليها (( نحبك يا سلمى و نموت عليك )) (( علاش ما نروحوا للمغرييب )) محمد يتذمر و يأشر بيديه ناحية خالد , عزيز يعانق دوستو و هما يتقافزان , هاهما أعزائي المشاهدين يجران محمد ليتقافز معهما .. شكرا أعزائي المشاهدين و الحضور , كان معكم مصطفى الآغا , أتيتكم من خلف الكواليس لأتولى التقديم في هذا الحفل الجنوني .

ديربي الشقة

في الشقة يحدث صراع من نوع آخر, صراع إلكتروني مصدره لعبة الحرب الشهيرة (( كول أوف دوتي – نداء الواجب )). يقول لي أحدهم : إذا أردت أن تروي القصة فاروها من منتصفها, و قصتنا مع اللعبة لم تنته بعد و نحن الآن بالضبط في المنتصف, تحية عسكرية أحيي بها محمد و يحييني بقوله : إحترامي سيدي ! يتبعها نظرة استهتارية تمثيلية موجهة نحو أطراف ديربي غرفة نوم الشقة عزيز و خالد .

الديربي مباراة بين طرفين من نفس المنطقة ذات طابع تنافسي عالي الحدة, مرتبط به الاحترام و في كثير من الأحيان الكراهية, و ديربي الشقة بيني و بين محمد, و لأن الأطراف الباقية هي أقل مستوى سُمِّي ما بينهم ( ديربي غرفة نوم الشقة ) و يسمى على سبيل الدلع (( ديربي زلايب الشقة )) .

احتد النقاش ذات يوم بيني و بين محمد – منافسي – هو لم يسّلم بعد بأني الأقوى, و لن يسلم على الرغم من أن رتبتي العسكرية أعلى منه بخمس رتب, و رغم الهزائم المتتالية التي حاقت به, قلت له ببساطة : موعدنا الشقة !
اليوم الموعود, يوم الحساب ..

عم الشقة صمت غريب عند دخولي, خالد ينظر إلي و كأنني أمشي ببطء, عزيز تنحى عن مكانه لي برهبة حري بجندي مثله أن يشعر بها تجاه ضابط مقدام, يخفي وراء عينيه رغبة شيطانية بالإنتقام و يقول لي أسئلة ظاهرها : اليوم ؟ اليوم موعدنا ؟ و باطنها : أتراني اليوم أستطيع قتلك و أضحك طربا شامتاً للمرة الأولى مذ خضنا الحرب ؟ فأجيب بانحناءة من رأسي هادئة وقورة و ثقيلة, ثم أشيح بوجهي عنه كأنني أقول له : و لكنك لست خصمي, ما قتلك إلا درجات ارتقي بها في رتبتي العسكرية !

و يدخل محمد, و يراني صامتاً أختار أسلحتي, فيأخذه خياله إلى ما بعد المعركة ثم يضحك بمكر, يشير إلى خالد بابتسامة و يغمز لعزيز , يحني رأسه تحية لي , ثم يجلجل ضاحكاً كإبليس ! و يجلس بجانبي .. أظنه تعمد الجلوس بجانبي, لأنه يعلم أني عند التحدي أتوتر كقيثارة بين يدي متسول  و يريد بذلك أن يزيده حتى تتقطع الأوتار .

تقع ساحة المعركة في الخليج, أرض رملية تناثرت عليها سيارتان, و في الوسط برج مراقبة , و حاوية زيت في الجنوب الغربي منها , و أنشب في طرفها الشمالي أنبوب نفط, تندس نهايته تحت غرفة تكرير, كل ذلك أمام خلفية موسيقية مرعبة, تُشعر بالوحده و الخوف !

توزع الفرقاء, كل واحد هرب إلى جهة يغطي بها ظهره, محمد يستخدم القناصة فصعد بسرعة إلى البرج قبل أن يلحق به أحد. كنت في السابق أكره فعله و أراه جبنا, مع الزمن بدأت أعجب بأسلوبه هذا, و فوق ذلك هو متمكن منه, يختبئ بالأعلى هناك و يتوارى عن الأنظار, ثم يخرج فجأة يلدغ و يعود, يذكرني بالهجمات الأمريكية الذكية – في فترة كلينتون – أضرب و أهرب, نعم هو يضرب و يهرب بذكاء, فحماية ظهره أولاً ثم اقتناص أظهر الآخرين .

خالد خلف حاوية الزيت, دائما في مرمى محمد, و أكثر ما يثيرني في خالد هو شجاعته, أطرب منها و أثمل, و فوق كل ذلك هو يلهي محمد عني و يلتهي به فأترصد لعبد العزيز و (( أتوطى ببطنه ! )) و يثور محمد من عزيز فتتطاير منه اللعنات تطاير رصاص خالد تجاهه, فيلعن خالد .. و يلعن عزيز و يفقد تركيزه, و أنا تهتز كل عضلة فيّ ضحكاً .

– خالد يا حوثي يا زيدي الله يلعن أبو لعبك يا كمخة, طول اليوم رافع راسه لمي هالزلابة ! عزيز يا زلابة إلى متى و انت تركض كذا !
– ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه عزيز وشو ؟ عزيز زلابة, و خالد وشو ؟ خالد زلابة ههههههههههههههههههههههه

المعركة تحتسب بالنقاط, كل قتلة تحسب للقاتل بخمسين نقطة, و المنتصر من يحرز ثلاثة آلاف نقطة أولاً ..
و يتكرر المشهد السابق مرارا , فيجن محمد, هو يقتلني و يقتل عزيز و يقتل خالد, و أنا أقتل الجميع حتى نفسي أحيانا غطرسةً ! محمد يقتلني حينما أكون أطارد خالد, و أصير في مرماه, و أحياناً يذبحنا جميعاً , و عزيز فريسة سهلة فهو يركض برشاقة طفل سعيد في لعبته , و كثيرا ما أقتله, فيغضب حتى سلم بالأمر الواقع, و كي يبرر موقفه يغني بعدما يقول أنت عراقي أصلا, أنت تقتل من الخلف (( وِلَك تشـتلني من ظهري , عبرت الشط على مووودك و حطيتك على راسي )) و يضحك سخرية من كل شيء و إنما أراه يسخر من نفسه ..

خالد يسكت وقت المعركة, و أنا قبلها أكون هادئا ووسطها في قمة انفعالي, و محمد يردد :
– لاقي هالزلايب, زلايب مجمعة, تذبحهم من ورا, و تفوز, آآبو آآبوك يا عراقي ..
ثم أصبح التحدي شخصياً بيني و بين محمد في هذه المعركة, لم يعد سرا إننا نحترم اسلوب بعضنا البعض, و لا نتوانى عن إبداء الإعجاب بطريقة قتل معينة قام بها أحدنا, رغم كل التنافس و التحدي, إلا أننا و بأخلاق الجنرالات, نحيي بعضنا, إطراءا و استهتاراً بال(( زلايب )) و كأننا نقول : إنما إنتم مقبلات و عشاؤنا بعضنا بعضاً .

ديربي الشقة كان دموياً, بشعاً و جميلاً, أنيقاً و رث الهيئة, استخدمت فيه الطائرات و الحوّامات, الصواريخ, و القنابل الموجهة, أنا أصرخ و محمد ينتشي طربا و هو ضاحك, هو يصيح و أنا أرقص قائلا: خووووووووووووووووووووووذ خووووووووووووووووووووووووذ , خذذذذذذذذذذذذذذذذذذذذذ يا كككككككككككلب ..

و كل قتلة يقول المقتول فيها كلمة سباب, هي في الحقيقة, تعني قمة الإحترام و الإطراء لطريقة المقتل ! و أما إبداء الإعجاب بالطريقة الاعتديادية فهو إعجاب عادي !
في النهاية, نهاية المعركة, يحييني محمد, تستحقها يا دوستو تستحقها, و كجنرال أقول لك بكل احترام : أن أهزم أمامك خير من فوزي على (( زلايب الديربي )), فأرد عليه قائلا: كنت نداً صعبا و قاسيا, مثلي يستحق خصماً مثلك, و مثلك يستحق خصماً مثلي. هنا نؤدي التحية العسكرية, بكل هدوء و إجلال لبعضنا, و ما فعلنا, ثم بعفوية تتجه انظارنا نحو خالد و عزيز , و نصرخ سوية : يا زلااااااااااااااااااااااااااااااااايب, ثم نرقص و كأن المشهد السابق لم يكن .

تمت

المهيب و السيد كولت

هال منظر الرجل المهيب السيد معتوق، تأمله مرة أخرى و أرهبه جسد الرجل المهيب، حاول أن يثبت عينيه عليه عندما جلس، لم يتغير شيء، ضخم على الكرسي و ضخم واقفا، أخذ يفكر: ” جلوسه على الكرسي يشبه وقوفنا، رجل عظيم” 

تحسس السيد معتوق، السيد (كولت) في جيبه، أخرجه و سدد بسرعة رصاصة صغيرة استقرت في رأس الرجل المهيب. خر المهيب على الأرض و كان أشبه شيء بسقوطه، سقوط تماثيل الطغاة. 

أربعة أغاني

(الأغنية الأولى)

تساقطت السماوات، و وقعت في يديك قطعة من الجنان، و كان كل الذي أردته أن أبقى بقربك كل العمر، ولكني على بعد خطوات منك أقف يحول بيني و بينك جدار من نار

(الأغنية الثانية)

أحدهم كتب لي رسالة مليئة بالشتائم، و لم يوقع أسفلها، أعتقد أني أعرف من كتبها، إني أعرف هاتين اليدين الصغيرتين، و كم شامة عليهما، و كم مرة مسحتا الحزن عن وجهي ، و لكن ها نحن الآن بيننا رسالة شرسة، أحدنا بيده قلم، و الآخر يرفع يديه مستسلماً

(الأغنية الثالثة)

 أرى الضوء في نهاية النفق و لكني كلما اقتربت منه أَعتم، قل لي هل هذا هو الجحيم ؟ يا إلهي هذا مقلق،  لابد أن جنات عدن أحلى، ولكن على أية حال ما دمت في الجحيم دعني أهبط إلى الدرك الأسفل، مع القديسين و الشهداء و شهود الزور و كل المنافقين

(الأغنية الرابعة)

  يا حبيبتي قولي لي: كم يوما ستعلنين الحداد علي؟

عشر ثوان

كان ذلك في نهائي كأس مدارس الثانوية  لكرة القدم بالمنطقة, و كانت العشر دقائق الأخيرة, حين دفع بي المدرب/مدرس الرياضة الأستاذ سميّر كبديل لسلطان الشمري.

قبل ذلك, أنا الخيار الأخير دائما, إن ذلك بسبب كون الآخرين أجدر مني مهاريا و أكثر قدرة على فك عقدة في الملعب, و لم يكن ليضمني الأستاذ سميّر لولا أني كنت لا أيأس, كلما أخرجني من القائمة, ركضت أكثر و رفعت مستوى لياقتي لأصبح وحشا في الملعب.  لسنة كاملة كنت آكل كثور و أركض, أحرث أرض حارتنا بقدمي حتى نبت لي فخذان فولاذيان و ركبة مطاطية. لم أهتم بزيادة مهارة الرقص بالكرة, أو دقة التمرير, مرنت جسدي لأتحكم بسرعتي و لياقتي, كنت أعرف ماذا ينقص مجموعتنا, ينقصهم أنا, أي اللاعب الذي يغطيهم .

في آخر عشر دقائق, أصيب سلطان, كانت أصابته بليغة, حضر الامتحانات النهائية و ساقه مليئة بالمسامير, أصابه عايض الحربي الذي يكبرنا بأربع سنوات, يكبر أفراد فريقنا و فريقه, في تلك الأيام التي كان فارق ثمان سنوات لا يعتد به في المدارس, تحديدا في المدارس الثانوية . إذن أصيب سلطان, و تحصل عايض على إنذار و لم يُطرد, و كنتُ الورقة الثالثة و الأخيرة في الاحتياط, ناداني المدرب :

  • عزيز, منذ سنة و أنت تحاول أن تصبح جيداً كفاية لتدخل التشكيلة, كنت تتحمل كل تثبيطي لك, أنا لا أعلم لماذا أثبطك إن هناك شيء في داخلي يدفعني دفعا لذلك, تجاوز هذا كله, هذه فرصتك الوحيدة, افعل شيئا نتذكره ولا تنساه !

نزلت الملعب, الوحيد بلياقة عالية و كاملة, الكل منهك, فريقي متأثر بإصابة سلطان و الفريق الآخر لا يستطيع التحمل أكثر مما احتمل, الكل يبحث عن إضاعة الوقت للوصول للركلات الترجيحية.

عشر ثوان كانت كل ما أريد, حتى اللحظة أذكرها , أتتني كرة عالية من الدفاع ثبتها بقدمي ثم غيرت اتجاهي من الوسط إلى الجناح, انزلق تحتي عايض بنية أن يكسر ساقي كما فعل بسلطان, لكنني تجاوزتها, ركضت بالكرة, حين استلمتها من الدفاع كان المدرج صامتا كأنه في جنازة, حين تجاوزت عايض عاد هتاف الجمهور يرتفع (وووووووووووووووووووو) كل ارتفاعة في نبرتهم تسارع بنبضاتي, تجاوزته و شعرت بثقل فخذي, شبه منفرد ركضت, و أمامي على حافة منطقة الجزاء اثنين, و خلفي اثنين ..

ثلاث ثوان فقط نقلت خلالها حركة فخذي من حركة بشرية إلى ميكانيكية,هيدروليكية, أشعر بهما, تحكمت بهما كأنهما  لم تكونا عضلتين بل آلتين,  من الجناح قطعت إلى العمق متجاوزا المدافعين, لا أسمع سوى نبضات قلبي السريعة و ( آآآآآآآآآآآآآآآه ) من الجمهور, طرت إلى المرمى, سددت الكرة على وجه الحارس, ارتطمت بوجهه و إلى الشبك, هدف !

صرت نجماً !

استرح يا عسكري

كنت متجهاً نحو القطاع الرئيسي لسلاح الحدود – مقر عملي – لأقود القوة باتجاه أحد المراكز الحدودية البعيدة جداً عن هذه المدينة الصغيرة البائسة, كانت ليلة عاطرة بشذى زهور الليمون, ليلة لا أنساها أبداً و عطراً لا يغادر أنفي, لماذا ؟ لأنها الليلة الأولى التي أباشر فيها عملي كضابط صغير في سلاح الحدود, و الليلة الأولى التي أسكن في هذا المكان النائي عن مدينتي, في الحقيقة لا تهمكم هذه الليلة وليست لها أهمية لذاتها. لذلك اقفزوا هذه القطعة.

ما يفعله ضابط صغير مثلي في مركز لسلاح الحدود أعده شيئاً بسيطاً, السيطرة على الأفراد و مراقبتهم و حسو الشاي و القهوة , و السمر مع كبار الأفراد كونهم يعتبرون فارق السن يزيل مسافة الرتبة العسكرية بيني و بينهم. أكون معهم و لست معهم, لا أفهم كثيراً مما يقولون, ليس لصعوبة المفردات بل لأن ما يقولونه مفرط الواقعية – واقعهم الشخصي – و معجون بهموم المعيشة ليس أكثر ولا أقل . في بعض الليالي أحاول أن أجر الحديث إلى محيط سياسي, عندها يتحدثون عن كل الأحداث السياسية في العالم, أرى في حديثهم صبغة صبغتهم بها الصحف الحكومية, رغم اختلاف الكلمات إلا أن أسلوب التحليل متشابه, والنتائج في النهاية واحدة. تحليلاتهم السياسية ليست واقعية كأحاديثهم الريفية أو الصحراوية, مكذوب عليهم فيها لدرجة أفقدتهم شخصيتهم. لمثل هذا أُحبط و ألعن النجوم على كتفي ثم أسبح بعيداً .

أتذكرون تلك الليلة الأولى ؟ ما يزال شذى زهور الليمون الذي ترسله نسيمات “يولية” العذبة في أنفي, كلما أريد أن أشتمّه, أغلق عيني قليلاً و أتذكر اللحظة التي أغلقت فيها الباب متجها نحو سيارتي . بعض الأيام, الليالي, و اللحظات لا تغادر ذاكرتنا لأن فيها شيئاً مميزاً, فما المميز في هذه الليلة ؟

كنت في تلك اللحظات بالضبط, أحكمت خطة إنهاء معاناة هذه المهنة الشاقة, أن تصبح ضابطاً صغيراً على الحدود يعني أن تقضي شبابك في العزلة, و هذا مالا يتوافق مع شخصيتي و حبي للحياة .

دعونا نغامر بالدخول في رأسي:

أنا محاط بحفنة من العسكر حمقى, و كأنه لا يكفي أن يكونوا عسكراً . لست أراهم شيئاً فهم مجموعة من قليلي الحظ من التعليم و الثقافة – و هكذا يصنف الناس عقلي الباطن -, بسطاء حتى حدود السذاجة, تجاربهم الكثيرة في الحياة أكثر متعة من عملهم هذا و أكثر اقتراباً من الهدف الذي يحيون من أجله . أحدهم و هو برتبة رئيس رقباء, شاب شعره حتى غدا كقطن نثر عليه رماد, يظن أن تجارة المخدرات و الأسلحة متوقفة على أدائه لعمله, و ضبطه لأفراده, إنه يؤمن كثيراً بوظيفته, و يرى نفسه حامي البلاد من الفتن التي تعتريها, يتكلم دائما بزهو عن كمية المهربين الذين ضبطهم, و عدد الجراح في جسده, و الرصاصات التي تلقاها, كل قصة تختلف عن الأخرى و النتيجة واحدة, كل المهربين يقبض عليهم .

في الكلية, عندما عرفت أنهم – لا أدري من هم بالضبط – سيوجهوني نحو هذا القطاع, أسقط في يدي و شعرت بإحباط شديد, و عندما أُحبط أبدأ بالتفكير, أعني ينتهي كل شيء حولي ولا يبقى سوى التفكير و لأيام كثيرة .

أراهن أن أحدكم يفكر في علاقة تلك الليلة بالخطة, و في شعوري عندما عرفت أين سيوجهوني .

لا تقلق, لا علاقة لها بشيء, إني فقط أتذكر ابتسامتي السعيدة بشذى زهور الليمون. ما علاقة شذى الليمون بالقصة كلها ؟ لا علاقة له بشيء إنما يذكرني كثيراً بطفولتي وجدتي .

لم أحبط لأني سأفقد شبابي في المراكز الحدودية و حسب, بل لأني أكره هذا العمل الذي لن أرى مردوده على أرض الواقع .

كنت أعرف ماذا يعني حرس الحدود قبل أن أنضم للكلية, و كنت أصلي و أدعو الله ألّا يرميني في هذا القطاع بهفوة منّي أو انعدام حيلة – سمها واسطة إن شئت – . سأكمل و لكن تذكروا أننا ما زلنا نتجول في رأسي, هه مفهوم ؟

أن أعمل في هذا القطاع يعني أن أعيش كذبة و أصدقها و أجني منها ذهباً. إن وظيفتي أمام المجتمع و في عرف المجتمع هي حمايتهم ممن يتربصون بهم من مهربي المخدرات, و لكن عندما أكون صادقاً مع نفسي, و أتناسى أني مهرج يكذب على نفسه فإن المعنى في هذا الحال يتغير جذرياً لأصبح مجرد منظم لعملية تجارة المخدرات يا للحقارة و يا للتناقض المجهول ! المخدرات تطفو على السطح في البلد, و عدد المدمنين يتزايد, و عرفت بعدما عملت هنا, أن تجهيزاتنا متقدمة للغاية, و رغم هذا لم تتناقص عملية تهريب المخدرات بل تطورت بشكل لعين . إنه من المضحك و المبكي أن أعي هذه الفكرة, ضابط في سلاح الحدود و منظم تجارة مخدرات في نفس الوقت ! لو أني شخصية في رواية لسخر الراوي مني كثيراً و لتصدع رأسه من عدم فهمه هذا الحال ! من العدو هنا ؟ المهرب أم المنظم أم من وضع المنظم قد يختار الراوي الحل الأسهل فيعتبر المدمن هو العدو الأكبر لأنه عدو نفسه .

أكاد أجزم أن أحدكم ينتظر إفصاحي عن الخطة التي تخرجني من هذا العمل – العمل في المراكز – و يظن أن الخطة جبارة. خمن, ما تخمن يا صديقي ؟  لا لم تكن الخطة جبارة ..

كنت عندما ابتسمت, هناك في تلك الليلة مرتاحاً لأني عندها قررت أن أعيش هذه التجربة باعتبارها تجربة لن أعدم فائدتها, و لأني أعرف متى أنهيها و كيف, طلقة واحدة في قدمي من سلاح ( جي ثري ) كفيلة بنقلي للمستشفى,ثم للعمل المكتبي و عندها فقط سأنهي هذا الفصل من حياتي .