من فن الاستطراد و انا اخوك

– , –
و دخلت في ساحة غائمة، مسطحات مائية عن يميني و عن شمالي، و استقبلني سرب حمام بشري، ستة او سبعة او ثمانية حمائم ليس عليهن إلا الريش، ريش وردي و أبيض و سماوي، و على المسطحات المائية جرسونات العهد البائد جالسين على عوارض خشبية شكلن قوارب بدائية، تطوف بين الوز و البط و الفلامينقو، اتجهت إلى القارب و الحمائم يتبعنني، اخذت كأسي الممسك الممزوج بالعسل و اهرقته في جوفي و أرحت رأسي على فخذ حمامة، مشهد لا يرسمه إلا منتج يهودي في هوليوود حين يريد أن يرسم الجنة الشرقية في عين المشاهد الغربي بهيمي الثقافة، و على سيرة اليهودي، ما أكثر ما شتمتهم و أنا لا أعرفهم، علما أني على أعتاب رحلة إلى الولايات المتحدة، أرض الميعاد الحقيقية، دعك من فلسطين، هناك حيث لم يحلم يهوه لشعبه يوما بمثل هذه الأرض، الأرض التي سأجتاز حدودها من أجل دورة في التعقيم الصناعي، أنا الذي أشاهد الغبار يتكاثر تحت سريري كل يوم ولا أحرك مؤخرتي كي أزيله. و ما أشد غروري أنا التافه الذي لا وزن له، أخاف أن أحاكم هناك بتهمة معاداة السامية، أنا الذي لا يأبه لكلامي عامل البقالة، عامل البقالة الدمية الأصغر في سلسلة الدمى الروسية. و لكني أعزو وصفي لنفسي بالتافه لموجة من موجات ما أصبح يسمى باضطراب ثنائي القطب، الذي ما إن قرأت عنه مقالتين حتى علقت كسلي و قلة مواهبي و شرودي عليه، بعد أن أصبح تشتت الانتباه و الحركة اضطرابا لا يرضي غروري، أنا المغرور التافه الذي لا يدري لم هو تافه ولا يدري كيف أصبح مغرورا. 

قفلت من جنة اليهودي ولا أدري ما صنعت بي الحمائم و لا أدري ما صنعت بهن.

Rita

في ربيع عام ١٤١٦هـ كنت طفلا صغيرا أجري حافيا في حواري عرعر، و على غير العادة كان المطر غزيرا و مبكرا شتاء ذلك العام مما نبّأنا بربيع مزهر، تحولت الصحراء إلى علبة ألوان ، و تستطيع أن ترى وادي بدنة يسابق نفسه على إغراق المدينة و لكن المدينة لم تغرق، و احتفل الناس بالربيع و ازدهر سوق الفقع/الكمأة و أتى الناس من أقطار الجزيرة إلى تلك المدينة الصغيرة المنسية كي يملأوا عيونهم بالألوان و الحياة و النجوم . في إحدى صباحات ربيع عرعر من تلك السنة كنت ألعب الكرة مع صديقي يوسف و صديقيه سعد و خالد و حامد أخي خالد، زمجر فجأة صوت شيخ “ما” بالتلفاز، يصيح بالنفير إلى التبرعات، يصحب ذلك بكاء و نشيج اعتدناه لاحقا و لم نكن نعرف أن ذلك طبع شخصي للشيخ، و الهدف هذه المرة البوسنة و الهرسك، و كان الصرب قبل تلك السنة في خريف ١٤١٥هـ ربما -لا أتذكر- قد اقتحموا تلك المنطقة الصغيرة غير المحلولة منذ الحرب العالمية و عاثوا في أعراقها عرقا عرقا، تركنا كرتنا و هرعنا لأقرب نقطة لتجميع التبرعات و تبرعنا بالمقسوم .

في مخيم للاجئين في أحد أقاليم أوربا كانت هناك بنت لطيفة بملامح غريبة و ضحكة سينيمائية، شردت و أهلها من بيتهم و وطنهم و عاشوا ينتظرون الفرج، و أتاهم الفرج، ما يقارب ١٠ يورو بعملة هذا اليوم كانت مجموع تبرعاتنا انا و حامد و يوسف و سعد و خالد، خالد الكلب البخيل لم يتبرع سوى بريالين، رغم أنه يخفي خمسين ريالا خضراء في جيبه كشفناها لما عدنا للعب الكرة و سقطت منه، و كان قد طواها بعناية و لم يعلم أن ذلك يجعلها سهلة التحرك و الضياع .

على أية حال، وصلت تبرعاتنا السخية إلى فتاتنا الصغيرة و عائلتها الكبيرة، أغنتهم عن التسول المباشر، كستهم و روتهم و أشبعتهم تلك اليوروات المباركة ، و بعد ما يقارب ١٨ سنة، ظهرت فتاتنا الجميلة على التلفزيونات، نجمة أغاني من الصف الأول، وقعت عقد إعلان مع شركة اديداس و وفرت لها اديداس خطا للموضة باسمها و ابتدأ نهدها يظهر رويدا رويدا في خانة الصور من قوقل و الفضل كل الفضل يعود لي، ليوسف، لحامد، لسعد، لخالد الكلب البخيل، و لسعد البريك ، لقد صنعنا نحن الصعاليك نجمة عالمية اسمها Rita Ora

البيتزا كمقياس للحل

دعني أبسط لك الأمر، كانت البيتزا تباع في المطاعم متوسطة الجودة ب٦٥ ريال للكبيرة، و في أيام العروض، تدفع ٣٠ ريال و تأكل ما شئت في بوفيه مفتوح، حتى دخل السوق مطعم ذكي اسمه مايسترو، سعودي محلي، يعتمد على جودة المواد الأولية، الانتشار، الإعلانات، و كثرة الخيارات و التخصص، في مقابل ذلك سعر رخيص ركّع جميع المنافسين و جرهم للمستنقع .
يقول عجوز هرم، من الذين سكنوا في ديار عدة، من العراق مرورا بالكويت ثم بعض قرى الرياض حتى استقر به الحال في الرياض: ” الرياض الله ما خلقها ديرة، تسوونها ديرة ليه؟ ” هذه الجملة تلخص لك حال السعودي و الأرض، يتخلى عن ارثه في مقابل الذهاب للعاصمة، يدفع كل شيءو يخسر كل شيء في مقابل العيش هناك، مدفوعا بتركيز الخدمات الحكومية فيها و تعدد خيارات فرص العمل/الدراسة رغم أن النتيجة في النهاية خاسرة في حق المواطن الذي ترك الأرض الفسيحة و ذهب إلى أرض المنافسة فيها منهكة و المنافسين جشعين ( استعماريين ) يأكلون بعضهم كل يوم .
الآن، هذا المواطن المسكين الذي يشتكي قلة الراتب و ارتفاع سعر الأرض و المواد الغذائية و المحاط بكمية نواهش تأكل ما تبقى، المواطن الذي ترك الأرض الفسيحة و عاش في بلد ” ما سواها الله ديرة ” لو استحيوا له أرض في ضواحي العاصمة و ما حولها و أبعد فأبعد، و و عززت هذه الأرض بالخدمات الأساسية و الثانوية، هل سيدفع ثلاثة آلاف ريال في متر مربع واحد في الرياض؟

يا شيخ و الله لو هي في التايم سكوير ما صارت بهالسعر.

حتى لا أكون كاذبا يا عزيزتي، أنا أحب رونالدو الأصلي القبيح أكثر من حبي لك، و إذا صارت كرة بين أقدامه فإن المشهد التالي أجمل منك، صدقيني أنا لا أكذب، إنه و هو متجه للمرمى يتحول كل اللاعبين إلى أطفال، هل تستطيعين تحويل رجل واحد إلى طفل؟ بجمال كجمالك ربما تحيلينه فحلا، ربما معجب غير مخلص لكن هل تستطيعين شل جهاز عصبي لفريق كامل تعداده أحد عشر لاعبا؟ إنك حلوة و لست أجرؤ على الشك في ذلكد لكن تخيلي لو كنتِ قرعاء، و لك فم يحوي أسنانا في حالة حرب، و تتبولين على نفسك في الفراش، و غدتك الدرقية كسولة مما سبب انتفاخك، و لك ركبتان هشتان، بثلاث عمليات رتق للرباط الصليبي، هل سيحبك أحد؟ إنك ستصبحين فورا كائنا مخصصا للسيرك؛ لن يحبك أحد، إنهم سيرونك مسخا يشفقون عليه، أو يتقززون منه، سيكتبون عنك لأنك نادرة من النوادر القبيحة في هذه العالم، هل تستطيعين أن تكوني بكل هذا القبح و تجعليني أحبك؟ تخسئين

لماذا أخاف الموت؟ لأني أخاف أن أمر سريعا، خفيفا كما تفعل الغيوم، لأني أخاف الظلام، و الوحدة و أكره التراب. أخاف الوحدة لأني وحيد و تثقلني الوحدة، و لكني كل يوم أقول، في الصباح ستصحو و ستجد رفقة جيدة. الرفاق يتساقطون، ينساقون وراء الأيام الجديدة، و أنا أقف على جبل مشرف، أبتسم للسماء و للأرض و النمل و أبعث تحياتي كل تحياتي للذين لم يتحملوا خفتي.لماذا أخاف الموت؟ لأني عقدت صداقة مع الأشياء، و في العالم الآخر لا أعتقد بوجود الكثير منها. 

أنا لست سعيدا ولا حزينا، أنا بين بين، أبتسم و أتجهم، تعرفين؟ أقصد، تذكرين؟ 

أنا حي، و لوحدي، لا أنتظر شيئا، لا أرى أحدا، و في الشوارع إذا قضيت ليلتي مشيا عليها، كل المباني و المحلات تتحول في رأسي إلى خراب، خراب يشبه آثار الحرب . ماذا تريد مني؟

أقصر من مقالة، أطول من نكتة

  من جديد: صوروا لك تراثنا بضعة بيوت شعر و نخلتين و عجوز حافي يهيجن و رمل و تمر و حنظل و وأد بنات . 

لم يتركوا أحدا يبحث في أصول الديانات العربية و العبادات و أنواع التابو و التوتم، و رسخوا فيك العنصرية القبلية و شدوا مساميرها عليك، و دعموا كل الخزعبلات اللي تتكلم عن أنساب القبائل العربية و كون كل قبيلة تمتد بلا دليل إلى جد جامع معروف و مسمى -بطبيعة الحال- و كل محاولات المتقدمين و المتأخرين في التقليل من شأن النسب كانت تنقلب لسذاجتها دعوة عامة إلى تعزيز أهميته كعنصر أساسي في بناء شخصية الفرد و المجتمع. 

مستمتعين بالتمر و الرمل و النخل و بيت الشعر و القنص و باقي الأشياء التي لا يمكن ولا تكفي لأن تعبر أو تمثل أو ترمز عن منبع بشري دائما كان يزود الشمال بالرجال الذين يحملون وزر الحضارة على ظهورهم.