ديربي الشقة

في الشقة يحدث صراع من نوع آخر, صراع إلكتروني مصدره لعبة الحرب الشهيرة (( كول أوف دوتي – نداء الواجب )). يقول لي أحدهم : إذا أردت أن تروي القصة فاروها من منتصفها, و قصتنا مع اللعبة لم تنته بعد و نحن الآن بالضبط في المنتصف, تحية عسكرية أحيي بها محمد و يحييني بقوله : إحترامي سيدي ! يتبعها نظرة استهتارية تمثيلية موجهة نحو أطراف ديربي غرفة نوم الشقة عزيز و خالد .

الديربي مباراة بين طرفين من نفس المنطقة ذات طابع تنافسي عالي الحدة, مرتبط به الاحترام و في كثير من الأحيان الكراهية, و ديربي الشقة بيني و بين محمد, و لأن الأطراف الباقية هي أقل مستوى سُمِّي ما بينهم ( ديربي غرفة نوم الشقة ) و يسمى على سبيل الدلع (( ديربي زلايب الشقة )) .

احتد النقاش ذات يوم بيني و بين محمد – منافسي – هو لم يسّلم بعد بأني الأقوى, و لن يسلم على الرغم من أن رتبتي العسكرية أعلى منه بخمس رتب, و رغم الهزائم المتتالية التي حاقت به, قلت له ببساطة : موعدنا الشقة !
اليوم الموعود, يوم الحساب ..

عم الشقة صمت غريب عند دخولي, خالد ينظر إلي و كأنني أمشي ببطء, عزيز تنحى عن مكانه لي برهبة حري بجندي مثله أن يشعر بها تجاه ضابط مقدام, يخفي وراء عينيه رغبة شيطانية بالإنتقام و يقول لي أسئلة ظاهرها : اليوم ؟ اليوم موعدنا ؟ و باطنها : أتراني اليوم أستطيع قتلك و أضحك طربا شامتاً للمرة الأولى مذ خضنا الحرب ؟ فأجيب بانحناءة من رأسي هادئة وقورة و ثقيلة, ثم أشيح بوجهي عنه كأنني أقول له : و لكنك لست خصمي, ما قتلك إلا درجات ارتقي بها في رتبتي العسكرية !

و يدخل محمد, و يراني صامتاً أختار أسلحتي, فيأخذه خياله إلى ما بعد المعركة ثم يضحك بمكر, يشير إلى خالد بابتسامة و يغمز لعزيز , يحني رأسه تحية لي , ثم يجلجل ضاحكاً كإبليس ! و يجلس بجانبي .. أظنه تعمد الجلوس بجانبي, لأنه يعلم أني عند التحدي أتوتر كقيثارة بين يدي متسول  و يريد بذلك أن يزيده حتى تتقطع الأوتار .

تقع ساحة المعركة في الخليج, أرض رملية تناثرت عليها سيارتان, و في الوسط برج مراقبة , و حاوية زيت في الجنوب الغربي منها , و أنشب في طرفها الشمالي أنبوب نفط, تندس نهايته تحت غرفة تكرير, كل ذلك أمام خلفية موسيقية مرعبة, تُشعر بالوحده و الخوف !

توزع الفرقاء, كل واحد هرب إلى جهة يغطي بها ظهره, محمد يستخدم القناصة فصعد بسرعة إلى البرج قبل أن يلحق به أحد. كنت في السابق أكره فعله و أراه جبنا, مع الزمن بدأت أعجب بأسلوبه هذا, و فوق ذلك هو متمكن منه, يختبئ بالأعلى هناك و يتوارى عن الأنظار, ثم يخرج فجأة يلدغ و يعود, يذكرني بالهجمات الأمريكية الذكية – في فترة كلينتون – أضرب و أهرب, نعم هو يضرب و يهرب بذكاء, فحماية ظهره أولاً ثم اقتناص أظهر الآخرين .

خالد خلف حاوية الزيت, دائما في مرمى محمد, و أكثر ما يثيرني في خالد هو شجاعته, أطرب منها و أثمل, و فوق كل ذلك هو يلهي محمد عني و يلتهي به فأترصد لعبد العزيز و (( أتوطى ببطنه ! )) و يثور محمد من عزيز فتتطاير منه اللعنات تطاير رصاص خالد تجاهه, فيلعن خالد .. و يلعن عزيز و يفقد تركيزه, و أنا تهتز كل عضلة فيّ ضحكاً .

– خالد يا حوثي يا زيدي الله يلعن أبو لعبك يا كمخة, طول اليوم رافع راسه لمي هالزلابة ! عزيز يا زلابة إلى متى و انت تركض كذا !
– ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه عزيز وشو ؟ عزيز زلابة, و خالد وشو ؟ خالد زلابة ههههههههههههههههههههههه

المعركة تحتسب بالنقاط, كل قتلة تحسب للقاتل بخمسين نقطة, و المنتصر من يحرز ثلاثة آلاف نقطة أولاً ..
و يتكرر المشهد السابق مرارا , فيجن محمد, هو يقتلني و يقتل عزيز و يقتل خالد, و أنا أقتل الجميع حتى نفسي أحيانا غطرسةً ! محمد يقتلني حينما أكون أطارد خالد, و أصير في مرماه, و أحياناً يذبحنا جميعاً , و عزيز فريسة سهلة فهو يركض برشاقة طفل سعيد في لعبته , و كثيرا ما أقتله, فيغضب حتى سلم بالأمر الواقع, و كي يبرر موقفه يغني بعدما يقول أنت عراقي أصلا, أنت تقتل من الخلف (( وِلَك تشـتلني من ظهري , عبرت الشط على مووودك و حطيتك على راسي )) و يضحك سخرية من كل شيء و إنما أراه يسخر من نفسه ..

خالد يسكت وقت المعركة, و أنا قبلها أكون هادئا ووسطها في قمة انفعالي, و محمد يردد :
– لاقي هالزلايب, زلايب مجمعة, تذبحهم من ورا, و تفوز, آآبو آآبوك يا عراقي ..
ثم أصبح التحدي شخصياً بيني و بين محمد في هذه المعركة, لم يعد سرا إننا نحترم اسلوب بعضنا البعض, و لا نتوانى عن إبداء الإعجاب بطريقة قتل معينة قام بها أحدنا, رغم كل التنافس و التحدي, إلا أننا و بأخلاق الجنرالات, نحيي بعضنا, إطراءا و استهتاراً بال(( زلايب )) و كأننا نقول : إنما إنتم مقبلات و عشاؤنا بعضنا بعضاً .

ديربي الشقة كان دموياً, بشعاً و جميلاً, أنيقاً و رث الهيئة, استخدمت فيه الطائرات و الحوّامات, الصواريخ, و القنابل الموجهة, أنا أصرخ و محمد ينتشي طربا و هو ضاحك, هو يصيح و أنا أرقص قائلا: خووووووووووووووووووووووذ خووووووووووووووووووووووووذ , خذذذذذذذذذذذذذذذذذذذذذ يا كككككككككككلب ..

و كل قتلة يقول المقتول فيها كلمة سباب, هي في الحقيقة, تعني قمة الإحترام و الإطراء لطريقة المقتل ! و أما إبداء الإعجاب بالطريقة الاعتديادية فهو إعجاب عادي !
في النهاية, نهاية المعركة, يحييني محمد, تستحقها يا دوستو تستحقها, و كجنرال أقول لك بكل احترام : أن أهزم أمامك خير من فوزي على (( زلايب الديربي )), فأرد عليه قائلا: كنت نداً صعبا و قاسيا, مثلي يستحق خصماً مثلك, و مثلك يستحق خصماً مثلي. هنا نؤدي التحية العسكرية, بكل هدوء و إجلال لبعضنا, و ما فعلنا, ثم بعفوية تتجه انظارنا نحو خالد و عزيز , و نصرخ سوية : يا زلااااااااااااااااااااااااااااااااايب, ثم نرقص و كأن المشهد السابق لم يكن .

تمت

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s