استرح يا عسكري

كنت متجهاً نحو القطاع الرئيسي لسلاح الحدود – مقر عملي – لأقود القوة باتجاه أحد المراكز الحدودية البعيدة جداً عن هذه المدينة الصغيرة البائسة, كانت ليلة عاطرة بشذى زهور الليمون, ليلة لا أنساها أبداً و عطراً لا يغادر أنفي, لماذا ؟ لأنها الليلة الأولى التي أباشر فيها عملي كضابط صغير في سلاح الحدود, و الليلة الأولى التي أسكن في هذا المكان النائي عن مدينتي, في الحقيقة لا تهمكم هذه الليلة وليست لها أهمية لذاتها. لذلك اقفزوا هذه القطعة.

ما يفعله ضابط صغير مثلي في مركز لسلاح الحدود أعده شيئاً بسيطاً, السيطرة على الأفراد و مراقبتهم و حسو الشاي و القهوة , و السمر مع كبار الأفراد كونهم يعتبرون فارق السن يزيل مسافة الرتبة العسكرية بيني و بينهم. أكون معهم و لست معهم, لا أفهم كثيراً مما يقولون, ليس لصعوبة المفردات بل لأن ما يقولونه مفرط الواقعية – واقعهم الشخصي – و معجون بهموم المعيشة ليس أكثر ولا أقل . في بعض الليالي أحاول أن أجر الحديث إلى محيط سياسي, عندها يتحدثون عن كل الأحداث السياسية في العالم, أرى في حديثهم صبغة صبغتهم بها الصحف الحكومية, رغم اختلاف الكلمات إلا أن أسلوب التحليل متشابه, والنتائج في النهاية واحدة. تحليلاتهم السياسية ليست واقعية كأحاديثهم الريفية أو الصحراوية, مكذوب عليهم فيها لدرجة أفقدتهم شخصيتهم. لمثل هذا أُحبط و ألعن النجوم على كتفي ثم أسبح بعيداً .

أتذكرون تلك الليلة الأولى ؟ ما يزال شذى زهور الليمون الذي ترسله نسيمات “يولية” العذبة في أنفي, كلما أريد أن أشتمّه, أغلق عيني قليلاً و أتذكر اللحظة التي أغلقت فيها الباب متجها نحو سيارتي . بعض الأيام, الليالي, و اللحظات لا تغادر ذاكرتنا لأن فيها شيئاً مميزاً, فما المميز في هذه الليلة ؟

كنت في تلك اللحظات بالضبط, أحكمت خطة إنهاء معاناة هذه المهنة الشاقة, أن تصبح ضابطاً صغيراً على الحدود يعني أن تقضي شبابك في العزلة, و هذا مالا يتوافق مع شخصيتي و حبي للحياة .

دعونا نغامر بالدخول في رأسي:

أنا محاط بحفنة من العسكر حمقى, و كأنه لا يكفي أن يكونوا عسكراً . لست أراهم شيئاً فهم مجموعة من قليلي الحظ من التعليم و الثقافة – و هكذا يصنف الناس عقلي الباطن -, بسطاء حتى حدود السذاجة, تجاربهم الكثيرة في الحياة أكثر متعة من عملهم هذا و أكثر اقتراباً من الهدف الذي يحيون من أجله . أحدهم و هو برتبة رئيس رقباء, شاب شعره حتى غدا كقطن نثر عليه رماد, يظن أن تجارة المخدرات و الأسلحة متوقفة على أدائه لعمله, و ضبطه لأفراده, إنه يؤمن كثيراً بوظيفته, و يرى نفسه حامي البلاد من الفتن التي تعتريها, يتكلم دائما بزهو عن كمية المهربين الذين ضبطهم, و عدد الجراح في جسده, و الرصاصات التي تلقاها, كل قصة تختلف عن الأخرى و النتيجة واحدة, كل المهربين يقبض عليهم .

في الكلية, عندما عرفت أنهم – لا أدري من هم بالضبط – سيوجهوني نحو هذا القطاع, أسقط في يدي و شعرت بإحباط شديد, و عندما أُحبط أبدأ بالتفكير, أعني ينتهي كل شيء حولي ولا يبقى سوى التفكير و لأيام كثيرة .

أراهن أن أحدكم يفكر في علاقة تلك الليلة بالخطة, و في شعوري عندما عرفت أين سيوجهوني .

لا تقلق, لا علاقة لها بشيء, إني فقط أتذكر ابتسامتي السعيدة بشذى زهور الليمون. ما علاقة شذى الليمون بالقصة كلها ؟ لا علاقة له بشيء إنما يذكرني كثيراً بطفولتي وجدتي .

لم أحبط لأني سأفقد شبابي في المراكز الحدودية و حسب, بل لأني أكره هذا العمل الذي لن أرى مردوده على أرض الواقع .

كنت أعرف ماذا يعني حرس الحدود قبل أن أنضم للكلية, و كنت أصلي و أدعو الله ألّا يرميني في هذا القطاع بهفوة منّي أو انعدام حيلة – سمها واسطة إن شئت – . سأكمل و لكن تذكروا أننا ما زلنا نتجول في رأسي, هه مفهوم ؟

أن أعمل في هذا القطاع يعني أن أعيش كذبة و أصدقها و أجني منها ذهباً. إن وظيفتي أمام المجتمع و في عرف المجتمع هي حمايتهم ممن يتربصون بهم من مهربي المخدرات, و لكن عندما أكون صادقاً مع نفسي, و أتناسى أني مهرج يكذب على نفسه فإن المعنى في هذا الحال يتغير جذرياً لأصبح مجرد منظم لعملية تجارة المخدرات يا للحقارة و يا للتناقض المجهول ! المخدرات تطفو على السطح في البلد, و عدد المدمنين يتزايد, و عرفت بعدما عملت هنا, أن تجهيزاتنا متقدمة للغاية, و رغم هذا لم تتناقص عملية تهريب المخدرات بل تطورت بشكل لعين . إنه من المضحك و المبكي أن أعي هذه الفكرة, ضابط في سلاح الحدود و منظم تجارة مخدرات في نفس الوقت ! لو أني شخصية في رواية لسخر الراوي مني كثيراً و لتصدع رأسه من عدم فهمه هذا الحال ! من العدو هنا ؟ المهرب أم المنظم أم من وضع المنظم قد يختار الراوي الحل الأسهل فيعتبر المدمن هو العدو الأكبر لأنه عدو نفسه .

أكاد أجزم أن أحدكم ينتظر إفصاحي عن الخطة التي تخرجني من هذا العمل – العمل في المراكز – و يظن أن الخطة جبارة. خمن, ما تخمن يا صديقي ؟  لا لم تكن الخطة جبارة ..

كنت عندما ابتسمت, هناك في تلك الليلة مرتاحاً لأني عندها قررت أن أعيش هذه التجربة باعتبارها تجربة لن أعدم فائدتها, و لأني أعرف متى أنهيها و كيف, طلقة واحدة في قدمي من سلاح ( جي ثري ) كفيلة بنقلي للمستشفى,ثم للعمل المكتبي و عندها فقط سأنهي هذا الفصل من حياتي .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s