أزح الغبار و اقرأني

أَكمِل فكرتي, صغها بطريقة تجعلني أصفق و أشير إليك بإصبعي قائلاً : (( بالضبط بالضبط ! )) . أرجوك لا تدعني أرجوك أن تفهمني, و إذا جئتك بجملة مهلهلة افهمها و رد عليها بشكل كان يجب على جملتي أن تتخذه .
ولنخض في نقاش حاد, تمسك برأيك في عناد من يؤمن بما يقول, ولا بأس بالصمت حينما نشعر أن الحال أصبح غريباً, نصمت قليلاً الصمت بيننا معبر . و إذا ما استوحشنا من الصمت , نألف قصة كان ضحيتها أحد المساكين الذي لم يسلم من حدة ألسنتنا . تكون نواة القصة كلمة قالها , أو كلمة قلناها تصف شيئاً لم يعجبنا فيه .
عيناك يا صاحبي على ضميري ترعاه . تنهضه إذا ما تعثّر , و إذا عميت بصيرته هديته لأنك تعلم إن لم تنهضه سيموت صاحبك كمداً و إذا عميت بصيرة ضميره تخبط صاحبك في الضلال ولا تريد لأخيك أن يضل فهذا وادٍ لا تسمح الشياطين لمن دخله أن يخرج منه .
قد آتيك مرة آخر الليل و أجلس معك في بيتك, و يكون مزاجنا فارغاً لا نتحدث إنما يعمنا سلام روحي عميق. نشاهد التلفاز الذي تمسك بآلة تحكمه. توقف البحث على محطة غنائية, ينشد المغني و تتطلع إلى وجهي بنظرة مستفسرة, ما تلبث أن تتحول إلى ضاحكة, عكستها ملامح وجهي المتمعر, تعلم أن عقلي في هذه اللحظة في حالة تفكيك , و تفسر ملامحي : (( كان عقلي يفكك كلمات الأغنية كلمة كلمة, و ألحانها و إيقاعاتها يفككها آلة آلة, فلم تنجح في اختبار التفكيك, حيث أني في مزاج منطقي في هذه اللحظة, يطلب أن يكون كل شيء في الأغنية له سبب, و له معنى .. )) , تغير المحطة لتستقر على أغنية فتعيد النظر, تجدني مترقباً, ثمة شيء في هذه الأغنية يقهرني, إنها كاملة, أعرفها و كأني في هذه اللحظة أنتظرها, و في مثل هذا الحال, تنتصر الأغنية علي ممزقة أوراق اختباراتي كلها , تنتصر باسمها فقط . تراني يا صديقي أرفرف رأسي و تبتسم فلا تعلق . أعود إلى البيت لا أشعر بشيء إلا السلام الذي حظيت به عندك, و أبتسم امتناناً يا صديقي .
تراني مرتديا بنطالي الرياضي, و قميصاً مهترئا, جالساً على عتبة باب بيتي, تدرك أني لست على ما أحب من حال, تمر بي و تسلم, تسأل عن الحال. تجيبك عيناي فلا تعيد السؤال مهملاً إجابتي التقليدية (( بخير )) . تجلس القرفصاء بجانبي لتشعل لفافة و تعطيني أخرى, ندخن نصفها ولا نكملها. نصبح اثنين يتأملان الأفق, تند تنهيدة من صاحبك لا تطمنك على حاله, و لكنها لا تقلقك تعرف أن صاحبك يحتاجك هكذا, شخصاً يحس به ولا يضطره إلى التفسير .
يحصل أن أنقطع عنك مدة و أعود, ولا أجدك عاتباً ولا متظاهراً بأن شيئاً لم يحدث, تعلم جيدا أني أحيط نفسي بسور سميك, سور أبتعد به عمّن يحاول الإقتراب منه أو الإشارة إليه . السور له بوابة , البوابة فيها كوة مغلقة, إذا فتحتها ناديتك و أنت بعيد هناك تنتظر لأعطيك خلالها ما تحفظه لي, و إنك لا تقتات منه بل تعمر به صداقتنا, تكفيك عناء التظاهر, و تكفيني عناء العتب .

و دع الأيام تمضي, و دع الأحداث تخلد بعضها, و دعني أتذكر ..
أسألك .. هل تذكر أول يوم ألتقيتك به ؟
و أجبني : كان ذلك أول يوم جئتَ فيه المدينة .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s