السائح

وقف خلف النافذة ملقيا ببصره إلى الشارع, أخذ يفكر قليلاً, يتذكر ثم يفكر ..

في نزل رخيص على شارع مظلم يسكن, نسي أين كان آخر مرة تحسس فيها محفظته المفقودة, أغمض عينيه ثم فتحها و لم يجد بين إغماضته و انتباهته سببا لسكناه هذه المنطقة التي يقضي فيها آخر أيام عطلته .

جلس على كرسيه, هذه الليلة جد رتيبة لا تختلف عن سابقاتها إلا أن مكانه أصبح نحسا, يحاول دفع عجلة الليلة بكؤوس النبيذ, و لكنها لا قوم بعملها في هكذا ظرف, سيسافر عائدا في الغد و تذاكر القطار و الأوراق النقدية التي ستوصله إلى بلدته مفقودة, لا يستطيع النزول و البحث عنها في هذا الشارع المخيف بمثل هذا الوقت من الليل .

ركز بصره من جديد :

يبدو أقرب إلى زقاق منه إلى شارع, مرصوف بالحجر الذي يشي بقدم المنطقة ذات المباني التي كما يبدو عليها أنها أبعد من الحرب العالمية الأولى . إضاءته خافته للدرجة التي يستغرب عندها الناظر جدواها . في البعيد هناك تعبر دورية أمنية مسالمة جدا حد أنها تجاهلت المرأة السكرى التي تشتم الهواء و هي تتعرى, تشتم الهواء بلغة قاسية لا يفهمها و لكنه يفهم دلالتها, هي تريد شيئاً لا تستطيع الحصول عليه, ربما حفنة بودرة مخدرة . انتابته قشعريرة, ماذا لو كان هو الذي مر بجانبها و صرخت به؟ ماذا لو كان ذلك الثمل الذي يترنح في الطريق مس كتفه كتفه, ترى هل سيصرخ من الذعر ؟ هل سيعتقد أن هذا بشري أم بقاياه ؟ أوه ماذا لو هاجمه بسكين و كانت السكين ملوثة ؟

عبثت برأسه كؤوس النبيذ حتى تشجع و قرر أن ينزل للبحث عن المحفظة. فورا وجد نفسه في الأسفل بسرعة تليق بتتابع صور الأحلام . أخذ يفكر بالمحفظة مرة أخرى, أين أضاعها ؟ سؤال يغطي رغبته الأصلية بالنزول: تحدي الخوف أو اختبار هذا الشعور على هذا الشكل تحديد ( النزول إلى شارع مخيف في وقت غير مناسب ) ابتسم .. صابته رعشة مرة أخرى جعلته ينفخ في كفيه ليطردها . كل شيء يدعوه للإنهيار و لكنه يصمد, صمد حتى أضاع فكرة البحث عن المحفظة . مطرقاً رأسه بوجل كان يمشي, ناقلا بصره بحركة تتردد من الأمام إلى الأسفل, يحاول أن يتذكر : كيف كان ملمس امرأة؟

انتبه – و كأنه لا يدري – أنه ليس وحده , كان هناك رجل على بعد عشرين قدم جالسا على عتبة باب مبنى متهالك, و كلما اقترب زادت رهبته, صعق حين رآه عن قرب,هائل التكوين مرعب القسمات تتجلى أمامه رغم الظلام. يفكر بفداحة الخطأ, الجرأة الزائفة بفعل الكحول لا شيء آخر, الكحول الذي تطاير من عقله حالما رأى العظيم الجسيم المرعب ينهض, ابتسم هذا الأخير ببلاهة تتعارض بشكل فاضح مع هيئته الكلية, رد بابتسامة تكشف خوفه أكثر مما كان يظن و هو الذي كان يحاول تمالك أعصابه . ماذا ترى قد يكون هذا المرعب, قوادا أم مروج أم مدمن آخر بهت بجرعة مخدرة ؟ و هذا الزقاق لماذا لا يكون مجرد زقاق آخر خال من البشر, مخيف لا بأس لكن مخيف بلا بشر ؟!

كل أصحاب المشاهد هنا جائعين إلى شيء ما, يحنون إلى مفقود ضاع في الطريق بين المراهقة و الشباب, ربما بين الطفولة و المراهقة لبعضهم, حتى الجدران هي الأخرى تعيسة, ترى هل كان حلمها أن تكون جدران مدرسة خاصة ؟

– أين فقدت المحفظة؟

-هل هذا البحث مجد؟

-هل سأجدها ؟

-أبحث و هذا ما يجب فعله

-و لكني أعلم أني لن أجدها!

-يكفي أني لم أتخلى عنها

-لقت تخليت عنها حين فقدتها و بحثي عنها غير مجد حتى لو كان البحث لمجرد إبراء ذمتي أمامك !

-هل أضعتها عمدا دون أن أدري ؟

-فقدَتها ذاكرتي في منتصف الطريق بين شمال المدينة و وسطها … همم

– لقد أضعت ذاكرتي أولا, و مع كل هذا الزخم و الزحام في رأسي لا سبيل لاسترجاعها ..

لا بد أن شعوره واضح بالنسبة إليه, العطلة كلها في كفة, و ذاكرته المفقودة التي أضاع معها المحفظة في كفة و ترجع كفة الأخيرة و تكسر الميزان ..

حين يتذكر لحظات التبلد التي ينسى عنها ما كان يريد تحديداً يعلم يقينا أنه لو قايض أياما من السعادة بهذه اللحظات لما تردد, هذه القدرة على التحكم بالتبلد بحيث يستعمله وقتما شاء .. لكنه متأكد من بطلان هذه الفكرة غير الواقعية و هو الغارق في الواقع, الشارع  المظلم حتى أذنيه ..

يبتسم عند هذه الفكرة لأنه مجددا تشاغل عن القضية الأساسية, المحفظة الضائعة, نسيها و تاه في سراديب أفكار أخرى , صحيح متعلقة بالفكرة الأساسية لكنها متشعبة بحيث تخدرها قليلا .

أحس بتعب من المشي الطويل, أخرج حافظة الويسكي الصغيرة و جلس مفترشا الرصيف, حين رفت أجفانه و أحس بثقلها الشديد شعر بالهوان :

– مالذي يجعلني شديد الإختلاف عن هؤلاء أعضاء الزقاق الذي أنصب لهم المقصلة في ساحة محكمتي ؟

ترى مالذي أنساه بالضبط ؟ ما هي الفكرة شديدة الجاذبية بحيث تنسيه كل شيء ولا يتكذر فقدانه إلا بعد ساعات في الغرفة ؟

لو تذكرها لأطلق عليها النار و لتركها تضرج بدمائها و لبصق عليها ……

في الصباح تنبه من نومه على رفس أحدهم له, حين رأى ثيابه و قد اتسخت, و حين اشتم رائحة نفسه الكريهة الكحولية, أخذ يطيل النظر فيمن في الشارع بائسين. أحس أنه لا يختلف عنهم, و لو كان هذا الشبه لليلة واحدة فق .

كان أول سؤال طرق ذهنه :

ترى هل كلهم أضاعوا محافظهم ؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s