عصفور إبليس

سكن سطح الغرفة عصفور لعين, كأنه يعلم ما أكره فيعمله, اختار المكان الخاطئ , فوضع فوقه عشه و مجلس أنسه و سهره,و أحيا لياليه ولياليّ, طربا له و مأتماً لهنائي, يسكر فأعاني آثار الثمالة, و يغني حتى أكاد أتمنى الصمم.كنت أشك أن له ثأرا عندي, و يعزز شكي, صوته المفتقد لخليلة و صغار, و عدلت عن ذلك لأني ما سفكت دما قط حتى و إن عسيت.
كان يؤقت لميعاد نومي, فيدق جرس سهرته, و يغني, يغني يغني طويلا, يغني ولا يكل. يفيق قبل الفجر بقليل, يأخذ حماما ساخنا, و أسمع بقايا دندنات, ثم يصمت و أعلم أنه يجفف ريشه, يتنحنح لاختبار حباله الصوتية, ثم يبدأ وصلته, و كأنه بها يقسم على الله إلا أصلي الفجر والفاجر يتقرب إلى الله بعمل حق أراد به باطل .

**

أسكن غرفة خارج البيت في أقصى” حوش ” مبلّط, بعيدا عن صراخ العفاريت الصغار, و تأديب أمي و تذمر أختي, و ملاحظات أبي . هي لي معبدا و مدرسة و مكتبة و مجلساً و منامة. لا أحتاج اختبار صبري,ولست أحتمل الإزعاج, لذا لا أدخل البيت إلا حينما تقل الحركة, و تهدأ الأصوات, فأفهم أن الجنيتان الصغيرتان قد افترقتا, واحدة لترسم و الأخرى لتستذكر دروسها, هنا عند نقطة الهدوء هذه, أهنأ بشرب القهوة مع أمي, أو أناقش موضوعاً جدليا مع أبي, بعد أن أكون قد مررت على ” دندي ” لأداعبها و أملأ ناظري من جمالها الهادئ .
أنعم هنا بكل ما لا يوجد في البيت, تلفاز خاص بي مع منصة ألعاب إلكترونية, و علبة سجائر – مسموح تدخينها – و هدوء يكفل لي قراءة ما يراه أبي علما لا ينفع. ثم حرم علي الهناء, بعدما ضاقت الأرض و السماء على العصفور و لم يجد إلا سطح الغرفة مرتعا !

**

لم استطع التحمل, خذ ما تشأ من الملك و دعه على عرشه. كنت قد اعتدت النهوض متأخرا, يلحقه حمام سريع لا يفي بالغرض, ثم مصارعة حديدية مع باقي سيارات الرياض, كل الرياض ! . و اعتاد اللعين التلاعب بي, و بأعصابي التي سرق موعد راحتها مني, و صبرت و الصبر غير مجدٍ مع من اتخذ من المحراب مرقصا و بخطة !
حتى أتى فجرا أفقت فيه نشواناً, هاتفا ناداني في المنام أن اصنع خطة, فقلت و ما الخطة ! و ردد قائلا : اصنع خطة, اصنع خطة !
و هرعت من فوري إلى المكتب, فأخذت قلما و كراسة, و أخذت أعصر رأسي و أطلق العنان لذهني ثم أعقله و لم يتفتق عن شيء .و تكرر الهاتف و تكرر الفشل, و لم أيأس, حتى أنزلت سكينة على قلبي و صفى عقلي و أحرقت سيجارة النصر. أذكر أن بالجوار قط كان يدعو خليلاته دوما للمبيت عنده, كنت حين أطوف ” بالحوش ” مدخنا, أراه يداعب إحداهن و كأنه ملاكم يختبر غريمه قبل النزال, أبتسم عندها رافعا إبهامي مهنئا له على خيبة لن يهنئ عليها أحدا أحد علانية كما أفعل . قررت استخدام هذا الفحل لفعل ما لم استطع عليه صبرا, لن أسرق حياة و لكن لا بأس في أن استعمل من يكفيني عناء سفك الدماء. المسكين يحتاج وجبة فاخرة بعد نشاطه الليلي, لذا فهو سينفذ خطتي كما أريد, و على أساس هذه الفكرة بنيت خطتي .رسمت مخططا للمنطقة, مكان الغرفة من الحوش, و ماخور القط من الغرفة و من ” تكية ” العصفور, و رسمت مكان الإلتقاء, نقطتين في أحدها دجاجة مشوية و الأخرى أرز جاف, كلاهما سيقعان في الفخ و لكن أحدهما لن يغرد بعد اليوم. انتظرت موعد الغناء, و الآهات القططية, حتى أزف ثم نثرت الأرز و وضعت الدجاجة و انتظرت .
لا أطيق الانتظار, ولا أستطيع التشاغل في هذا الحال, فما قرأت كتابا ولا رأيت برنامجا, و تأخرت ساعة اللعين عن التنبيه فلم تدق, و لا أثر للقط و ظللت معلقا ناظري على الفخ من خلال النافذة, ولا شيء يحدث.

**
احتملت ألما لا يطيقه بشر, قد اشتعل عصب ضرس العقل حتى أفحم المخ الهزيل, و تكوين الضرس أنبأني بما يفعله بي, و لم اكترث لنبوءته ولا لاشتعال عصبه, قاومته بالمسكنات في صراع غير متكافئ حتى بعد أن استنجدت صارخا (( واصبراه )), حتى أتت الليلة المشؤمة . لم أستطع النوم من فرط الألم . تلويت كأفعى و نحت كثكلى و ناجيت الله ككل من يلجأ إليه حين تعييه السبل , تفصد جبيني حبيبات ثلج كاوية, و كان بي شيء من عقل جعلني أتساءل. ما بالها لا تتبخر ؟ ابتلعت جرعات زائدة من المسكنات و المضادات الحيوية , و الضرس أقوى, أقوى من نصائح الأطباء و تحذيراتهم, أقوى من عقيدة الناسك, أقوى من كل شيء . نهضت أحمل معي ألمي و عرقي و جعلت أركض في ” الحوش ” احرق أقدامي لأوازن هذه الحرارة في الجسد المنهك المبتلى المبلول, و توقفت رافعا رأسي إلى السماء الحمراء, م يا رب .. يا رب .. بالأسباب قمنا و توكلنا عليك .. .. أألم لا يحتمل يا الله. استدارت بي الأرض و غرد العصفور يصيح, و قد دعى كل من يمت له بصلة على حفل ضعفي و غنوا خلفه , و ارتفع مواء القطة التي أرهقها صاحبها من أمرها شبقا, و اجتمعت الأصوات لتكوّن موسيقى مهيبة هي قطعة من جهنم كأن عازفيها أبو لهب و فرعون و النمرود قد ضبطوها استقبالا لي, فسقطت مغشيا علي .

**

لا أدري كم مر من الوقت , و لكن الشمس لا تزال تختبئ خلف حمّالتها الورديه مخفية استدارتها عني و هي تعلم أني أحبها و أحب اكتنازها و امتلاء حمالتها بها, وأحب عشيقها الذي لا يلاقيها, لا أفرق بين شمس وقمر, ولا صيف أو شتاء, نواميس الكون كلها أحبها, الكون هادئ غير مزعج, الكون للتأمل و التأمل لا يصادق الضجة .
كنت في حال مزرٍ, الغبار يغطيني مما أشعرني بأني حبٌ زوجي, ليس هذا أسوأ شعور, إنما أعاني ما هو أشد, أوجاع في أطرافي من أثر النوم على البلاط, و عيناي تكادان تنفجران عن محجريهما, أكاد أرى أعصاب القرنية, بل تكاد كل عين أن تعانق أختها. ذهبت إلى الغرفة لأتخلص من ملابسي, و تطلع إلي إبليس في المرآة , ارتعت لمرآه و عذت بالله منه, و لم يغادر, تبينت الملامح ثم عرفتها, و قطبت حاجبيّ أمامها فأيقنت. نزعت ملابسي و كنت أصفّر, رغم أن كل شيء يدعو لعكس ذلك, لا بأس ما دامت ضربات الضرس قد اختفت .. لا بأس .. كل شيء يحتمل, حتى هذا اللعين الذي في الأعلى ..
ثم ائتزرت منشفتي و دخلت الحمام .

**

**

كانت الساعة قد قاربت العاشرة صباحاً حين وصلت المركز الطبي, وصلت بعد ساعة من التحدي في طرق الرياض الواسعة الضيقة, أقود بعيني سكران و الناس يردون بقيادة أسلوبها على قائمة المطلوبين العشرة, لا مشكلة, المهم أني وصلت .

أعرف المركز جيداً و يعرفني , و بيني و بينه و المقهى في الأسفل علاقة وطدتها الآلام, أعرف كل بشر في الأعلى, و كل جماد في الأسفل, الموظفين و الموظفات, المقاعد و الطاولات, العاملين و الآلات بأقداحها .

دخلت المبنى ناصيا الاستقبال ..

– السلام عليكم, أبغى الدكتور عبد العزيز عندي ضرس العقل محتاج خلع (( و كنت أعرف حالتي جيدا و أعرف ما احتاج ))

– و عليكم السلام .. عندك موعد ؟

– لا ما عندي .. لكن مضطر الآن الآن احتاج خلع, عندي اختبارات ولا اقدر اصبر .. و أنا أظن الدكتور عبد العزيز ما عنده أحد .. حنا صبح الثلاثاء و محد يجي الثلاثاء هالحزة

– هو عنده الحين مريض .. انتظر شوي ..

– أجل أنا باجلس تحت في الكفي ثلث ساعة و اجي ..

– .. !!

– !!!!!

جديدة, ليست في قائمتي و لست في قائمتها , و هذا مغفور ولكن ما لا يغتفر هي تلك النظرات الاستهجانية التي رمتني بها, لا أدري و كأني أسألها مالاً, أعرف أني أشبه ابليس في هذه الهيئة, مهندم الثياب رث الذقن و الشعر , لكن ذلك كله لا يعطيها الحق لترميني بما لم أرم به في حياتي, أنا أعرف هذه الأسهم لأني أجيد تشذيبها و سنها, ثم ما بالها قد ارتقت مرتق صعبا ؟! كانت علامات استفهام كثيرة تدور في رأسي و عيناي تنضحان بالكثير الكثير من علامات التعجب. كنت أسدد ناظري نحو ناظريها, لأول مرة أفعلها مع أنثى ! كنت أرمقها و أتمنى لو أنها رجلا فأبصق عليه, منظرها مثير للشفقة, قصيرة و أكره القصار, نحيلة و أرثي لحال من مثلها و أستثني نفسي من الرثاء فأنا معتد بها و لو كان بي مالا أحب, و فوق هذا كانت تحمل رزمة مال ثقيلة قد خشيت – و أنا في خضم هذه الحرب عيونية – أن تنوء بها و إن حملها ثقيل و هي لا تطيقه أو أن يقنعها أحد مبادلتها الرزمة بخمسة ريالات قائلا هذه أكثر. كان كل شيء بها يدعو للاحتقار !

قصدت المقهى حاملا معي كتابا خصصته لمواقف الانتظار, كنت قد قرأته مئات المرات ولا أملّه, وضعته على الطاولة لأطلب ما اعتدت طلبه, قهوة سوداء و منفضة سجائر ثم أخذت أقرأ .

غرقت في بحر الكتاب,ضعت في الحواري, غازلت في الشقق و طللت على الشارع من المشربيات, كل شيء يسحر, يأخذك نحوه , يجعلك منه و يضمك إليه. كان كل شيء رائعا إلا أن الروعة لا تدوم و يقسم الغوغاء على انتزاعك من كل ما تحب, تسمع ترحيب حار آت من الخلف يُرد عليه بسلام بارد, يقول المرحب ألم تعرفني فيرد الآخر أن و أصرخ في نفسي يا ” حمااااار ” لو عرفك لرحب بمثل ما ربحت به أو يزيد , و لربما طارحك الغرام, إذ يبدو أن كل شيء قابل للحدوث هنا, و في مدخل المقهى تقف امرأة يهيئ لي أنها خجلى لا تريد الدخول في هذا المكان المحرم و هي تشتهي (( دونات )) و إذ بها تأخذ بالقاعدة الفقهية سددوا و قاربوا, فتؤشر للعامل. عدت على ما كنت عليه حتى أخرجني أبلها يصرخ بهاتفه النقال, ضاربا عرض الحائط بكل من حوله, و قد كانت آلات القهوة تهدر عاليا ولم أفهم ما يقول و حسبت أنه يحادث / ينهر , قائد قوات المجرات العظمى ثم توقف الهدير و عرفت أنه يصف لصديقه الأبله ( إذ لا بد و أن هذا لا يصاحبه إلا مثيله ) مكانه , و من شدة صراخه عرفت أنه قريب و كنت أمسك نفسي لئلا آخذ الهاتف منه بعد صفعه, ثم أصف للآخر مكاننا لأصفعه ثم أكومهما على بعضهما و ابصق عليهما هؤلاء الأغبياء . عم المكان هدوء مخيف, رفعت رأسي نحو المدخل و رأيت عباءة مفتوحة ظهر خلفها بنطالا ضيقا من قماش قطني رمادي, لم أكن أريد رفع رأسي أكثر , جمعت أغراضي .. و غادرت المكان و أنا أفكر , أنحتاج فتاة لنصبح آدميين ؟

**

عدت للإستقبال, و استبشرت خيرا بمن رأيت, كنت كمن تاه في الصحراء ثم وقعت على أثره بدوية أسقته و دلته, أول مرة أنظر لعينيها , ليس بها جمالا ولا جاذبية إن هي إلا المعرفة القديمة, بعد خيبة معرفة جديدة, و ليست أي قديمة, بل القديمة المتكفلة, لم أتكلم لم أسلم بل بادرتني هي بقولها أن الدكتور بانتظاري .

سلمت على الدكتور و سألني عن الأحوال, وددت ضمه و تقبيله , لا أعلم , أنا أشعر بامتنان كبير, أضع فكي بين يديه فليفعل ما يريد , و هو يعلم ما يفعل و أنا أحب ما يفعل و لو منه عانيت, ندّت منه تأفف على ما فعلت و ما فعل الضرس , قال لي لا تخف, أنا أعلم بما فعل و إني منتقم منه لما هو فاعل, و بخفة جهز أغراضه, و غرز أبرته في الملعون, و استل شيئا يشبه المفك, كنت أرقبه, أشبه بفارس ينازل حدّادا, سريعا رشيقا خفيفا, و تذكرت الألم الذي فوق الغرفة, حينما تخلصت من الألم الذي في الفك المسكين . اقتلع الضرس و أشار لي بالمضمضة, ضحكت ضحكة هستيرية, كنت أقول للدكتور, أنظر إلى الكلب , أنظر إليه .. بأربعة جذور !! أذكر أني قلت كلمات كثيرة , إلا أن واحدة كانت عالقة في ذهني حتى الآن … إلى جهنم و بئس المصير .. و شكرا لك .. رغم أنك لا تستحق ..

قد عرفت الخطة .. قد عرفت الخطة يا هاتفي .

**

و بسرعة كبيرة, قصدت البيت, لا أذكر إن كنت قد صادفت أحدا أو لا, كل ما يشغلني هو كيف سأسفك دم للعين, عصفور إبليس, بعض المسائل الشخصية, تحتاج لقلع المعتقدات حتى و إن كانت ذات عدد لا متناهي من الجذور, أخذت بندقية الصيد من المستودع, وودت مراقصتها , تقبيلها , أن أضمها إلى صدري , أو أن أضغط زنادها لأختبرها قبل الأوان, أعرف استخدامها و لكني لم أصب بها أحداً. تسلقت الغرفة , و وجدت اللعين, راقدا على عشه, لم يرني و لم يكن يتهيأ أن أباغته ههنا في قعر داره, اعتاد أن يهجم علي لكن أن تقلب الطاولة و تنعكس القوانين و يصبح المنغص منَّغصا ؟ أن لا يسمح له حتى بأن يهنأ بإدراك ما صار ؟! ليس ذلك إلا ذنبه, هو من هاجمني, و هو الذي لم يتوقع ما لا يتوقع !

كنت أصرخ بشكل هستيري, مت .. مت .. مت … مت .. مت .. و كنت أرقص .. كالمجنون .. و اعود لأصرخ لا جنون بعد اليوم .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s