ثمة شيء يحدث في هذا الرأس .

* أشعر بالحياة تتلمس طريقها ناحية أصابعي المتيبسة .

أحتاج قلمي , أتوكأ عليه و أهش به على كلماتي, عندما أكتب , أتطلع إلى يدي من أسفل , و هي على سفح الجبل متربعة بين العظماء , و إني بدون قلمي لا شيء مجرد رجل يمشي على طريق الدنيا متوجها نحو الآخرة دون أن يتأمل القرى التي على جانبي هذا الطريق , فيسكن بين أهليها , و يختبر طباعهم, و يحكي لأهل قرية عما عرفه من طباع قرية أخرى .

إني شغوف بالحروف و أفكار الناس , رأسي دائما يشتعل بصور و خيالات شتى , أحاول التنبؤ بالأحداث قبل وقوعها , و أفكر بما قيل و ما يمكن أن يقال , و هذا كفيل بأن يجعل من رأسي قعر بركان خامد , لا ينفجر ولكنه يظل مغليا .

و لكن متغيرات شتى بدأت ألحظها في نفسي , لم أدرك مسبباتها ولكني وقعت عليها فجأة كالنائم الذي أفاق في خان يبعد عن بيته ألف ألف برزخ .

صرت أجد نفسي فجأة وسط حوار بين فكرة وخيال , أرفع حاجبي تعجبا, و أقول ما لي اليوم هكذا لا أتحكم فيما يعمل في رأسي . أعرف نفسي أظل أفكر دوما في ما يمكن أن يكتب و كيف يكتب لكني اليوم عاجز عن ربط نتيجة بفكرة ,و شخصية بفعل , لا أستطيع تحويل حروفي إلى كلمات مقروءة ! شيء ما يحدث لي .

لا أستطيع الكتابة , نفسي محور كل الأفكار , ولا أريد الكشف عنها. في هذه الأيام و بسبب هذه الحالة الغريبة, أستطيع الكتابة بأبلغ الجمل عنها ولكني لا أريد , و لأني لا أريد فلن أستطيع الكتابة عن غيرها .

أمشي على طريق طويل لا أشعر فيه إلا بنفسي, نفسي الشقية , المنشغلة عن كل شيء المنصرفة إلي , المتعلقة بأذني الميممة وجهي شطرها و عبثاً أحاول الإنصراف إلى غيرها , ولا أقدر , حروفي عن غيرها صدئة , و هي تغمز لأصابعي بكل شقاوة أن هيت لك , فأتمنع و أقول معاذ الله و لو كانت نجاة قلمي معلقة بكلمة منك .من حولي أطياف البشر أراهم وكأني لا أراهم, قلبي مبتهل إلى عقلي لا يكترث بمن حوله ما لم يستوقفوه . و أخذ هذا الطريق يتفرع إلى آخر أعجب منه , غدوت كليا منصرف إلى أدق حادث يعتري جسدي و عقلي , بدأت ألحظ أن حركاتي تأخذ طابعا أكثر عصبية, يداي أصبحتا ترتعشان أكثر من السابق, حتى صارت سيجارتي لا تجد طريقها إلى فمي . ذاكرتي معطوبة, و ما عدت أستطيع جلب الصور منها, أذكر الناس بالأسماء ولكن ملامحهم مجهولة, كنت سأجن لولا أني أستغفر الله لكل مسيء و محسن, و ابتسم لأسمائهم و استودعهم الله من لا تضيع عنده وديعه .

و مر وقت طويل منذ الخطوة الأولى , الأقدام ملت و الظهر انحنى , و على ذلك الطريق تحد قائم بيني و بين نفسي أينا ينتصر , و أصدقكم القول لا غالب في هذه الساحة إلا نفسي , التي ترتل منذ بادئ الأمر (( و ما النصر إلا صبر ساعة )) , صبرتُ و صبرت و ها أنا اليوم, مستدبرا النفق في نهاية ذلك الطريق, متشبعا بنور آذى عيني ثم أراني جمال الخليقة, كنت قبله قد تمرغت في الوحل و خرجت منه نقياً , و رأيت الحرب فعدت منها غانماً, أصبحت عنده ساقي الحانة الذي وجد أخيرا أذنا صاغية, ولا ينام وحيدا , ولا يجهل نفسه , أو يغر بالبشر . أنا اليوم أكتب , و حروفي تتراقص على الأوراق بلا انقطاع , اليوم اقول : (( اشعر بالحياة تتلمس طريقها ناحية أصابعي )) .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s