القصة باختصار شديد

حسناً, المقدمة فقدت بريقها لسوء استعمالها, لذا غضوا الطرف عن المفاجأة في الدخول .. 

القصة – كما يرويها صاحبي – هكذا , بكل اختصار و وضوح : 

دخل الشتاء مدينة سفرون و ألقى بثقله عليها بعد مقدمات قصيرة لم تتح للناس أن يخرجوا أرديتهم الشتوية من مخازنهم, و هكذا درجت عادة أهل سفرون, بتواطؤ مع الشتاء ذو الحضور السريع الثقيل, لذا ما إن يبدأ هذا الفصل حتى تجدهم على مثال البشر قبيل قيام الساعة , يركضون من اتجاه لاتجاه و من محل إلى محل لشراء ما يلزمهم لمواجهة الضيف ثقيل الظل. هؤلاء الميسورة أحوالهم و ما دون الميسورة, أما من كان ضيق الحال فإنه يكتفي بأردية العام الماضي و أجهزة التدفئة مر عليها أجيال كثيرة و فنيو كهرباء ينسى عددهم . و كان هناك قصر منيف في أفخم أحياء سفرون و أغلى أراضيها سعراً, صاحبه رجل يذكرون أن أمواله لا حصر لها , و مظاهر الأبهة عليه و على أسرته لم يبقى أحد من أهالي سفرون لم يسمع بها, هذا الرجل الذي أنعم الله عليه و أغرقه بنعيمه جاء بسائق جديد ليكفل توصيل ابنته الصغرى وحدها لأنها لا تحتمل انتظار السائقين الآخرين المخصصين لأمها و أختها حتى يقضيان حاجتاهما, و بعد إلحاح وافق الأب, ووافق قدوم السائق فصل الشتاء و لم يكن مستعداً له, و حيث أنه خسر كل ما يملك في الحريق الهائل الذي أكل اليابس و اليابس الآخر في بيته القديم الواقع ضمن الحي المتهالك, قبل العمل كسائق لكي يبدأ حياته من جديد, و لما لم يتبقى لديه مال يشتري به ما يقيه هذا البرد القارس, سأل الأب أن يعطيه ما يمكن أن يشتري به عباءة و مدفأة و سخانة مياه للحمام الصغير المقتطع من غرفته الصغيرة أيضاً. هش الأب عندما طلبه السائق و ابتسم ثم أجابه بأن يستبشر لأنه ابن هذا البيت و ما دام كذلك فإنه مسؤول عن متطلباته الأساسية. قال الأب : سيتكفل ابني لك بكل احتياجاتك . 

و لما أمسى الناس استدعى الأب ابنه البكر و قال له: سيطلب منك السائق حاجة فلا تلبها له ولا تعطيه بل دعه محتاج لك فإن هذا النوع من الناس لا يصلح أن تشبعه بل تجعله جائع حتى الرمق الأخير و عندها تعطيه لقمه , لأنه إذا شبع زادت طلباته و هو ليس مني و لا من بقية عائلتي, إياك يا بني أن تلين !

رد الإبن بهز رأسه إيجاباً, ثم خرج من البيت فاستوقفه السائق, لم يعطه الإبن فرصة لأن يطلب أو يسأل, ما إن فتح السائق فاه حتى نهره الفتى و اسكته ثم ركب سيارته و ذهب حيث يذهب . 

إن السائق ما زال في اللحظات الواقعة بين نهر الإبن له و بين ركوبه السيارة, في عقله ما زال متوقفا عند هذه اللحظات تحديداً, توقف الزمن و أصبح الموقف صورة .

 

و يكمل صديقي (( لمزيد من التوضيح أو الإبهام لا أدري )) : 

أفاق السائق بعد لحظات من الذهول و الصدمة بدت له دهرا بأكمله, و كان غاضباً على الإبن ( اللعين ) الذي حرمه ما وهبه إياه الأب, و أخبر السائق الجيران بما فعله الإبن معه و كيف لم يعطه أقل حقوقه عليه كإنسان أولا و كشخص معدم يعمل لدى هذه العائلة في حاجة إلى أول الأوليات, و غضب الجيران و أصبحوا يتناقلون ما حدث و انتشر الخبر, و صب الناس جام غضبهم على هذا الإبن الوحش الذي لا يراعي حق الإنسان على أخيه الإنسان, و كانوا يتساءلون أين الأب و كيف يعصي الإبن أوامر أباه بهذا الشكل السافر, و بدأوا يتعرضون له حينما يمر و يقذفونه بالكلمات, تارة همسا و تارة بصوت مسموع . لكن الإبن ما يزال على حاله كأنه لا يرى ولا يسمع و ليس في باله إلا أمر أباه الواضح الصريح : إياك أن تعطيه !

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s